العربية
فقراء ماديا انما اغنياء روحيا
https://cms-imgp.jw-cdn.org/img/p/2013645/univ/art/2013645_univ_sqr_xl.jpg

 قصة حياة

فقراء ماديا انما اغنياء روحيا

فقراء ماديا انما اغنياء روحيا

عاش جدي وأبي في بيت غير مكتمل بقرية كتيجاني التي تقع في شمال ما يُعرف اليوم بمولدوفا.‏ وهناك ابصرت النور في كانون الاول (‏ديسمبر)‏ ١٩٣٩.‏ وفي اوائل الثلاثينات،‏ كان جدي وأبي قد اصبحا من شهود يهوه.‏ ثم انضمت اليهما امي اذ لاحظت ان جدي اكثر اطلاعا على الكتاب المقدس من كاهن القرية.‏

حين كنت في الثالثة،‏ رُحِّل ابي وعمي وجدي الى معسكرات الاشغال الشاقة بسبب حيادهم المسيحي.‏ ولم يبقَ على قيد الحياة سوى ابي.‏ وعام ١٩٤٧ اي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية،‏ عاد ابي الى المنزل معطوب الظهر.‏ ولكن رغم صحته الواهنة،‏ حافظ على ايمان راسخ لا ينثلم.‏

حياتنا تنقلب رأسا على عقب

في التاسعة من عمري،‏ نُفيت عائلتنا الى سيبيريا مع مئات الشهود المولدوفيين.‏ ففي ٦ تموز (‏يوليو)‏ ١٩٤٩،‏ حُشرنا في عربات للماشية.‏ وبعد ١٢ يوما من السفر المتواصل قطعنا خلالها اكثر من ٬٤٠٠‏٦ كيلومتر،‏ وصلنا الى محطة قطار في لِبياجي حيث كانت الشرطة في انتظارنا.‏ فقسّمونا الى مجموعات صغيرة وشتّتونا فورا في انحاء المنطقة.‏ فأقامت مجموعتنا في مدرسة صغيرة مهجورة.‏ وكان التعب قد انهكنا وأثقل الحزن قلوبنا.‏ فما كان من اخت مسنة برفقتنا الا ان بدأت تدندن ترنيمة ألّفها الشهود خلال الحرب العالمية الثانية.‏ وسرعان ما انضممنا اليها جميعنا مرددين من كل قلوبنا الكلمات التالية:‏

‏«اخوة كثيرون نُفوا الى اصقاع بعيدة.‏

اخذوهم الى الشمال بدّدوهم في الشرق.‏

كل ذنبهم انهم تمموا عمل الآب،‏ فحكموا عليهم بالعذاب،‏ احتملوا المحن،‏ عانوا المشقات،‏ خاضوا غمرات الموت».‏

بعد فترة،‏ اصبح بمقدورنا ان نحضر الاجتماعات المسيحية كل يوم أحد في مكان يبعد عن مسكننا حوالي ١٣ كيلومترا.‏ فغالبا ما كنا نغادر البيت في صبيحة ايام الشتاء رغم الظلام الحالك،‏ فنشقّ طريقنا وسط الثلوج التي وصلت الى خصرنا فيما الحرارة ٤٠ درجة مئوية تحت الصفر.‏ ومع ان عددنا بلغ خمسين شخصا او اكثر،‏ كنا نحتشد في غرفة لا تتعدّى مساحتها ١٩ مترا مربعا.‏ فنستهلّ اجتماعنا بترنيمة او اثنتين او ثلاث.‏ ثم تُقدَّم صلاة نابعة من القلب تليها مناقشة لأسئلة مؤسسة على الكتاب المقدس.‏ وبعد هذا البرنامج الذي كان يمتد نحو ساعة،‏ كنا ننشد المزيد من الترانيم ونناقش المزيد من الاسئلة.‏ وكم كانت تلك الاوقات مشجعة ومقوية لإيماننا!‏

تحديات جديدة

عند محطة دجانكوي نحو ١٩٧٤

بحلول سنة ١٩٦٠،‏ مُنح الشهود المنفيون حرية اكبر.‏ فسافرت رغم فقرنا الى مولدوفا حيث التقيت نينا التي كانت هي وأهلها وجدّاها لأمها من شهود يهوه.‏ وبعد فترة قصيرة،‏ تزوجنا وعدت برفقتها الى سيبيريا.‏ وهناك رُزقنا بابنتنا دينا عام ١٩٦٤ وبابننا فيكتور عام ١٩٦٦.‏ وبعد سنتين،‏ انتقلنا الى اوكرانيا وعشنا في بيت صغير بمدينة دجانكوي التي تبعد حوالي ١٦٠ كيلومترا عن يالطا في شبه جزيرة القِرم.‏

 كان نشاط شهود يهوه محظورا في شبه الجزيرة تلك،‏ مثلما كان عليه الحال في المناطق الخاضعة لنفوذ الاتحاد السوفياتي.‏ ولكن لم توضع على عملنا قيود مشددة ولا تعرضنا لاضطهاد عنيف.‏ ففترت غيرة بعض الشهود الذين رأوا الفرصة سانحة لينهمكوا في تحصيل المال ويتمتعوا بشيء من الرخاء بعد ان عانوا ما عانوه في سيبيريا.‏

تطورات مبهجة

في ٢٧ آذار (‏مارس)‏ عام ١٩٩١،‏ نال شهود يهوه الاعتراف الشرعي بعملهم في ما عُرف آنذاك بالاتحاد السوفياتي.‏ وعلى الاثر،‏ خطّط الاخوة ليعقدوا في كافة انحاء البلاد سبعة محافل كورية خصوصية مدتها يومان.‏ وكنا نحن سنحضر المحفل في مدينة أوديسّا بأوكرانيا المقرَّر في ٢٤ آب (‏اغسطس)‏.‏ فوصلتُ الى هناك قبل شهر كي اساعد في إعداد مدرّج كرة القدم حيث سيُعقد المحفل.‏

مرّت ايام طويلة ونحن نعمل بكدّ،‏ وغالبا ما امضينا الليل نائمين على مقاعد المدرّج.‏ وقد نظفت فرق من الشاهدات الحديقة المحيطة بالمكان وجمعن ما يقارب الـ ٧٠ طنا من النفايات.‏ اما العاملون في قسم المنامة فطافوا في كل ارجاء المدينة بحثا عن اماكن يبيت فيها المندوبون الـ ٬٠٠٠‏١٥ المتوقَّع قدومهم.‏ ولكن فجأة،‏ تلقينا خبرا صاعقا!‏

ففي ١٩ آب (‏اغسطس)‏ —‏ اي قبل خمسة ايام فقط من ابتداء المحفل —‏ اعتُقل رئيس الاتحاد السوفياتي آنذاك ميخائيل غورباتشوف فيما كان يمضي عطلته في منطقة قرب يالطا غير بعيدة عنا.‏ لذلك أُلغيت الموافقة على عقد محفلنا.‏ فأخذ المندوبون يتصلون بمكتب المحافل ويسألون:‏ «ماذا نفعل بحجز الباص والقطار؟‏».‏ وبعد صلوات حارة،‏ اجابهم المسؤولون:‏ «تعالوا بأية حال!‏».‏

لم تتوقف الاستعدادات،‏ وكذلك الصلوات.‏ فالقسم المسؤول عن التنقلات اخذ يستقبل المندوبين القادمين من انحاء عديدة من الاتحاد السوفياتي ويهتم بإيصالهم الى اماكن اقامتهم.‏ وفي صباح كل يوم،‏ كان اعضاء لجنة المحفل يغادرون مكاتبهم لمقابلة الرسميين في المدينة،‏ الا انهم يرجعون كل ليلة خائبين مخذولين.‏

صلواتنا تُستجاب

يوم الخميس الواقع فيه ٢٢ آب (‏اغسطس)‏،‏ اي قبل يومين فقط من الموعد المقرَّر،‏ عاد اعضاء لجنة المحفل حاملين خبرا سارّا:‏ وافق الرسميون على عقد المحفل الكوري.‏ وفي بداية المحفل،‏ لم تسعنا الفرحة فيما انشدنا الترنيمة الافتتاحية واستمعنا الى كلمة صلاة.‏ وبعد انتهاء برنامج يوم السبت،‏ بقينا في المكان حتى ساعة متأخرة من المساء نتحدث معا ونجدد صداقاتنا القديمة.‏ فقد اجتمعنا بإخوة تحلوا بإيمان مكّنهم من الوقوف ثابتين في وجه اصعب الامتحانات.‏

المحفل الكوري في أوديسّا عام ١٩٩١

وخلال السنوات الاكثر من ٢٢ التي تلت هذا المحفل الكوري،‏ شهدنا ازدهارا روحيا مذهلا.‏ فقد شُيِّدت قاعات الملكوت في كل ارجاء اوكرانيا،‏ ونما عدد الناشرين من ٬٠٠٠‏٢٥ في سنة ١٩٩١ الى اكثر من ٬٠٠٠‏١٥٠ في الوقت الحاضر.‏

اغنياء روحيا حتى اليوم

ما زالت عائلتي تعيش في البيت نفسه بمدينة دجانكوي التي يبلغ عدد سكانها حوالي ٬٠٠٠‏٤٠ نسمة.‏ ومع ان عائلات الشهود كانت قليلة جدا لدى مجيئنا من سيبيريا الى هنا عام ١٩٦٨،‏ تشتمل هذه البلدة اليوم على ست جماعات.‏

وعائلتي ايضا ازداد عدد افرادها،‏ فهي تضمّ ٤ اجيال يخدمون يهوه بغيرة:‏ انا وزوجتي،‏ اولادنا،‏ احفادنا،‏ وأولاد احفادنا.‏