العربية
نفائس تزخر بها كبرى بحيرات اميركا الوسطى
/assets/ct/fa815d8e9f/images/syn_placeholder_sqr.png
ب٠٩ ١/‏٩ ص ٢٥-‏٢٧
نفائس تزخر بها كبرى بحيرات اميركا الوسطى

نفائس تزخر بها كبرى بحيرات اميركا الوسطى

تضمّ نيكاراغوا رغم صغرها اكبر مجتمع مائي داخلي في اميركا الوسطى،‏ انه بحيرة نيكاراغوا.‏ ومن المثير للاهتمام انها قد تكون البحيرة العذبة الوحيدة التي تحتضن مياهها انواعا من سمك المحيطات مثل سيّاف البحر والطَّرْبون والقرش.‏ ويرى العلماء ان هذه البحيرة كانت مفتوحة في ما مضى على المحيط الهادئ،‏ ثم انفصلت عنه بفعل النشاط البركاني.‏ وفيما اخذت مياهها تفقد ملوحتها،‏ تكيّف السمك مع بيئته الجديدة.‏

يبلغ طول بحيرة نيكاراغوا نحو ١٦٠ كيلومترا وعرضها الاقصى ٧٠ كيلومترا تقريبا،‏ ويصل ارتفاعها الى حوالي ٣٠ مترا عن سطح البحر.‏ وترصِّع هذه البحيرة ٤٠٠ جزيرة يحتشد زهاء ٣٠٠ منها،‏ اي جزر ڠرانادا،‏ حول شبه جزيرة أسايساي قرب مدينة ڠرانادا الواقعة عند الطرف الشمالي للبحيرة.‏

وكبرى جزر البحيرة هي جزيرة اوميتپه الواقعة في الوسط التي يبلغ طولها ٢٥ كيلومترا تقريبا وعرضها نحو ١٣ كيلومترا.‏ وهي تتألف من بركانين يصل بينهما برزخ.‏ يمتاز البركان الاطول،‏ كونسپسيون،‏ بشكله المخروطي الرائع المتناظر الجوانب.‏ وهو بركان ناشط يبلغ علوّه ١٬٦١٠ امتار ويهيمن على الجانب الشمالي للجزيرة.‏ اما الآخر الذي يُدعى ماديرا فيرتفع مسافة ١٬٣٩٤ مترا،‏ وهو بركان خامد يلبس رداء اخضر كثيفا وتزين فوهته بحيرة ضحلة يلفّها وشاح من الضباب الرقيق.‏

وتُعدّ بحيرة نيكاراغوا احدى الروائع التي تغري السياح بزيارة المنطقة.‏ فهم يؤمّون المكان ليمتّعوا انظارهم بجماله المداري الطبيعي وخرائبه الاثرية الوفيرة التي تعبق برائحة الحضارات الغابرة.‏ ولكن ثمة نوع آخر من النفائس يستحق ان نسلِّط الضوء عليه.‏

قرية على وجه المياه

تعجّ جزر ڠرانادا بالنباتات المدارية والحياة البرية.‏ فهذه الجزر البركانية تكتسي بالغابات الوارفة التي تتفتح فيها ازهار تخلب الالباب.‏ وعلى طول الشاطئ،‏ تدهشك اشكال الطيور المائية الجميلة مثل الغاق،‏ البلشون الازرق الصغير،‏ البلشون الابيض الكبير،‏ العُقاب النُّسارية،‏ والزقّة الاميركية.‏ اما عند اطراف الدغل،‏ فيطيب لطيور كبيرة كستنائية اللون تُدعى اوروپندول مونتيزوما ان تبني اعشاشها التي تتدلى من الاشجار الباسقة وتتمايل مع نسيم البحيرة،‏ فيخيّل اليك انها ستهوي بين لحظة وأخرى.‏

وبعض هذه الجزر آهل بالسكان.‏ فمنهم صيادو السمك المحليون ومنهم الاثرياء الذين يمتلكون هناك بيوتا صغيرة لقضاء العطلة.‏ ولا تخلو الجزر من مدارس ومطاعم وحانات ومن مقبرة ايضا.‏ ويبدو الارخبيل اشبه بقرية واحدة تطفو على وجه المياه.‏

فمع بزوغ شمس كل صباح،‏ يبحر مركب ملون بالازرق والابيض من جزيرة الى اخرى مصطحبا الاولاد الى المدرسة.‏ وثمة زورق اشبه بمتجر عائم يتنقل بين الجزر حاملا اليها الفواكه والخضر.‏ ويوما بعد يوم،‏ يطالعك رجال ينصبون شباك الصيد ونساء يغسلن الثياب في مياه البحيرة.‏

يعيش شهود يهوه ايضا حياة نشيطة على هذه الجزر.‏ فهم يستقلّون مركبا ويزورون السكان ليخبروهم عن بشارة ملكوت الله.‏ (‏متى ٢٤:‏١٤‏)‏ لكن الجغرافية الفريدة لهذه المنطقة شكلت تحديا لهؤلاء الإخوة.‏ فأين لهم ان يجتمعوا لدرس كلمة الله،‏ الكتاب المقدس،‏ التي توصي المسيحيين ‹ألّا يتركوا اجتماعاتهم›؟‏ غير انهم ذلّلوا هذه العقبة وأتوا بحل مبتكر:‏ قاعة ملكوت عائمة هي الاولى من نوعها في نيكاراغوا!‏ —‏ عبرانيين ١٠:‏٢٥‏.‏

قاعة الملكوت العائمة

في تشرين الثاني (‏نوفمبر)‏ ٢٠٠٥،‏ انتقل الى جزر ڠرانادا زوجان من شهود يهوه يخصصان كامل وقتهما لعمل البشارة.‏ وبعد بضعة اشهر،‏ عندما حان وقت الذكرى السنوية لموت المسيح،‏ لبّى ٧٦ شخصا من السكان المحليين دعوتهما الى حضور هذه المناسبة،‏ الامر الذي فاجأهما وأدخل الفرح الى قلبهما.‏ وهكذا زاد اقتناعهما بالحاجة الى عقد اجتماعات مسيحية منتظمة في تلك المنطقة.‏ وبما ان العثور على مكان مناسب للاجتماع كان في غاية الصعوبة،‏ فكّرا في حلّ آخر:‏ لمَ لا يبنيان قاعة ملكوت عائمة يمكن إرساؤها في مواقع مختلفة تلائم حاجات الناس؟‏

شرع هذان الزوجان المقدامان في تنفيذ المشروع رغم انهما لم يملكا ادنى فكرة عن تصميم المراكب وآلية عومها.‏ فانكبّا على العمل هما وستة آخرون طوال شهر كامل.‏ وأثمرت جهودهم عن طَوف بسيط يتألف من ١٢ برميلا ممتلئا بالهواء المضغوط سعة كل منها ١٥٠ لترا مثبتة بأطر مصنوعة من انابيب فولاذية ملحومة معا.‏ اما الارضية فغُطِّيت بالخشب المعاكِس واستُخدم قماش مشمّع لسقف القاعة.‏ وقد صلّى العاملون كل ليلة ان ينجح مشروعهم هذا اذ ساورهم الشك في ان القاعة ستعوم.‏ ولكن من المفرح ان مساعيهم تكللت بالنجاح.‏

استُخدمت قاعة الملكوت الجديدة لعقد اول اجتماع عام في ١٠ حزيران (‏يونيو)‏ ٢٠٠٦.‏ وفي اليوم التالي،‏ نُقلت الى الجانب الآخر من الارخبيل ليُعقد هناك الاجتماع عينه.‏ وبلغ عدد الحضور في الاجتماعين ٤٨ شخصا،‏ منهم مَن اضطر الى السير اكثر من نصف ساعة عبر الدغل.‏ وكم فرح الجميع بعد ان بات لديهم مكان يقدّمون فيه العبادة!‏

تضفي البيئة المحلية على الاجتماعات في هذه القاعة طابعا مميزا.‏ ففيما يقدّم الخطيب موضوعه،‏ يدغدغ آذان الحضور خرير الماء وهو يداعب الصخور برفق،‏ ويتناهى الى مسامعهم بين الحين والآخر صوت سعدان يزقح من بعيد.‏ وما هي الا فترة وجيزة حتى اعتاد سكان الجزر على القاعة الجديدة،‏ فصاروا يلوحون بإيديهم حين يرونها تُنقل من مكان الى آخر.‏ وكل اسبوع،‏ يرتاد اكثر من ٢٠ شخصا هذه القاعة العائمة لتعلُّم الكتاب المقدس والتمتع بالعشرة المسيحية.‏ فيا لها من كنز نفيس!‏

في جزيرة اوميتپه

على بعد ٥٠ كيلومترا تقريبا جنوب ڠرانادا،‏ تقع جزيرة اوميتپه التي طالما استحلى الناس السكن فيها لجمالها الطبيعي وتربتها الخصبة.‏ وفي الواقع،‏ عُثر في بقاعها على اقدم دليل يثبت ان السكان امتهنوا الزراعة في نيكاراغوا.‏ ويعيش اليوم في كنفها زهاء ٤٢٬٠٠٠ نسمة يزاولون الصيد وزراعة الذرة الصفراء والموز والبن وغيرها من المحاصيل.‏ وعلى غرار جزر ڠرانادا،‏ تمتاز هذه الجزيرة بروائع الحياة البرية.‏ فتتراءى امام ناظريك اسراب الببَّغاوات التي تصدح بأعلى صوتها،‏ ويأسرك جمال طيور القيق التي تتباهى بريشها الازرق والابيض وهي تطير بخفة بين الاشجار.‏ كما تسرّك رؤية السعادين المقلنسة البيضاء الوجه المحببة الى قلوب كثيرين.‏

ويحظى مواطنو اوميتپه باهتمام المنادين ببشارة ملكوت الله.‏ فمن ٨ اشخاص اعتمدوا عام ١٩٦٦،‏ نما عدد الشهود هناك الى ١٨٣ شخصا موزعين على اربع جماعات مزدهرة لكل منها قاعة ملكوت قائمة في المكان المناسب.‏ واليوم،‏ تبلغ نسبة الشهود ١ الى كل ٢٣٠ من سكان الجزيرة.‏

على مر السنين،‏ واجه شهود يهوه في اوميتپه صعابا كثيرة.‏ فقد احرق المقاومون سنة ١٩٨٠ قاعة الملكوت في ميريذا.‏ إثر ذلك،‏ شُيدت قاعة اخرى عام ١٩٨٤ وظل الاخوة يستخدمونها حتى بُنيت قاعة ملكوت جميلة عام ٢٠٠٣،‏ مما ابهج الجماعة المحلية المؤلفة من ٦٠ شخصا.‏

وفي مويوڠالپا،‏ صُممت قاعة ملكوت لسدّ الحاجة الى مكان تُعقد فيه التجمعات الاكبر.‏ فمن مؤخر القاعة الحالية،‏ يمتدّ سقف بُني تحته منبر.‏ وأمام المنبر،‏ صُفَّت نحو آخر العقار مقاعد بُسطت فوقها ظلة تقي الحضور من حر الشمس.‏ وفي هذا المكان،‏ يجتمع دوريا الشهود المحليون وأصدقاؤهم القادمون من الجوار لحضور التجمعات الاكبر.‏ وما من مكان افضل من بحيرة نيكاراغوا لتغطيس تلاميذ يسوع المسيح الجدد الحاضرين في هذه التجمعات.‏ —‏ متى ٢٨:‏١٩‏.‏

هل تبقى نفائس البحيرة سليمة من الاذى؟‏

لطالما كانت بحيرة نيكاراغوا اقوى من ان تعبث بها يد الانسان،‏ ربما بسبب ضخامتها.‏ لكنها اليوم في امسّ الحاجة الى الحماية.‏ فمياهها باتت مهددة بالتلوث الناجم عن الفضلات الزراعية والصناعية والرواسب التي تخلّفها ازالة الاحراج.‏

فهل تُفلِح مساعي الحكومة والسكان المحليين في درء الخطر عن البحيرة؟‏ المستقبل وحده كفيل بإعطاء الجواب.‏ ولكن حتى لو باءت جهودهم بالفشل،‏ فسيحرص الخالق على حفظ كنوز الارض بأسرها من بحيرات متلألئة وجزر ساحرة وحياة برية فاتنة كي تبقى ميراثا للبشر الطائعين.‏ فالكتاب المقدس يخبرنا:‏ «الابرار يرثون الارض،‏ ويسكنونها الى الابد».‏ —‏ مزمور ٣٧:‏٢٩‏.‏

‏[الصورة في الصفحة ٢٦]‏

قاعة ملكوت عائمة لعقد الاجتماعات المسيحية