برج المراقبة (‏الطبعة الدراسية)‏

ايمان نوح يحكم على العالم

العربية
ايمان نوح يحكم على العالم
/assets/ct/29206d32a6/images/syn_placeholder_sqr.png
ب٠١ ١٥/‏١١ ص ٢٨-‏٣١
ايمان نوح يحكم على العالم

ايمان نوح يحكم على العالم

هل سمعتم بنوح،‏ رجل خائف الله بنى فلكا لاستبقاء حياة اثناء طوفان عالمي؟‏ ان هذه القصة رغم قِدمها مألوفة عند الملايين.‏ لكن ما يجهله كثيرون هو ان حياة نوح ذات مغزى لنا جميعا.‏

ولِمَ نهتم برواية عمرها آلاف السنين؟‏ هل من وجه شبَه بين حالة نوح وحالتنا؟‏ اذا كان الامر كذلك،‏ فكيف يمكن ان نستفيد من مثاله؟‏

العالم في زمن نوح

بحسب جدول تواريخ الكتاب المقدس،‏ وُلد نوح سنة ٢٩٧٠ ق‌م —‏ بعد ١٢٦ سنة من موت آدم.‏ وفي زمن نوح كانت الارض قد امتلأت عنفا،‏ واختار معظم المتحدرين من آدم التمرد كسلفهم.‏ وهكذا،‏ «رأى الرب ان شر الانسان قد كثر في الارض.‏ وأن كل تصوُّر افكار قلبه انما هو شرير كل يوم».‏ —‏ تكوين ٦:‏٥،‏ ١١،‏ ١٢‏.‏

ولم يكن تمرد البشر وحده ما اثار استياء يهوه.‏ توضح رواية التكوين:‏ «ان ابناء الله رأوا بناتِ الناس انهن حسنات.‏ فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا.‏ .‏ .‏ .‏ كان في الارض طغاة [«نفيليم»،‏ ع‌ج‏] في تلك الايام.‏ وبعد ذلك ايضا اذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن لهم اولادا.‏ هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم».‏ (‏تكوين ٦:‏٢-‏٤‏)‏ تظهِر مقارنة هذه الاعداد بعبارة سجَّلها الرسول بطرس ان «ابناء الله» هم ملائكة عصاة.‏ اما النفيليم فهم الذرية الهجينة التي وُلِدت من علاقات جنسية محرَّمة بين النساء وملائكة شاذِّين اتخذوا اجسادا بشرية.‏ —‏ ١ بطرس ٣:‏١٩،‏ ٢٠‏.‏

ان كلمة «النفيليم» تعني «المُسقِطين»،‏ وهي تشير الى اشخاص سبَّبوا سقوط غيرهم.‏ لقد كانوا طغاة مستبدين.‏ اما آباؤهم الشهوانيون فتُشبَّه خطيتهم بانحرافات سدوم وعمورة.‏ (‏يهوذا ٦،‏ ٧‏)‏ وهؤلاء حرَّضوا معا على ارتكاب شرور لا تُطاق على الارض.‏

‏«كاملا في اجياله»‏

إذ استشرى الشر الى حد كبير،‏ صمَّم الله على إهلاك الجنس البشري.‏ ولكن الرواية الموحى بها تذكر:‏ «اما نوح فوجد نعمة في عيني الرب.‏ .‏ .‏ .‏ كان نوح رجلا بارا كاملا في اجياله.‏ وسار نوح مع الله».‏ (‏تكوين ٦:‏٨،‏ ٩‏)‏ فكيف تمكن ‹ان يسير مع الله› في عالم بعيد عن الله يستحق الهلاك؟‏

لا شك ان نوحا تعلّم الكثير من ابيه لامك،‏ رجل ايمان معاصر لآدم.‏ وعندما اطلق لامك على ابنه اسم نوح (‏الذي يُعتقَد انه يعني «راحة» او «مؤاساة»)‏،‏ تنبأ قائلا:‏ «هذا يعزينا عن عملنا وتعب ايدينا من قِبل الارض التي لعنها الرب».‏ وقد تمَّت هذه النبوة عندما ازال الله لعنته عن الارض.‏ —‏ تكوين ٥:‏٢٩؛‏ ٨:‏٢١‏.‏

ان كون الوالدين اتقياء لا يضمن امتلاكهم اولادا روحيين،‏ اذ يجب على كل فرد ان يؤسس شخصيا علاقة بيهوه.‏ وقد «سار نوح مع الله» باتِّباع مسلك حظي بالرضى الالهي.‏ فما تعلّمه نوح عن الله دفعه الى خدمته.‏ ولم يتزعزع ايمان نوح عندما أُبلِغ عن قصد الله ‹ان يهلِك كل جسد في الطوفان›.‏ —‏ تكوين ٦:‏١٣،‏ ١٧‏.‏

وإذ كان نوح واثقا بأن هذه الكارثة التي لم يسبق لها مثيل ستحدث،‏ اطاع امر يهوه:‏ «اصنع لنفسك فلكا من خشب جُفر.‏ تجعل الفلك مساكن.‏ وتطليه من داخل ومن خارج بالقار».‏ (‏تكوين ٦:‏١٤‏)‏ ومع ان بناء الفلك وفقا للمواصفات التي امر بها الله لم يكن بالامر السهل،‏ «فعل نوح حسب كل ما امره به الله.‏ هكذا فعل».‏ (‏تكوين ٦:‏٢٢‏)‏ وقد فعل نوح ذلك بمساعدة زوجته وابنائه سام،‏ حام،‏ ويافث وزوجاتهم.‏ وبارك يهوه ايمانهم.‏ فيا لهم من امثلة رائعة للعائلات اليوم!‏

ماذا شمل بناء الفلك؟‏ امر يهوه نوحا ببناء صندوق خشبي هائل صامد للماء من ثلاث طبقات،‏ طوله نحو ١٣٣ مترا وعرضه حوالي ٢٢ مترا وارتفاعه ١٣ مترا تقريبا.‏ (‏تكوين ٦:‏١٥،‏ ١٦‏)‏ ان سعة هذه السفينة هي مماثلة لسعة العديد من سفن الشحن العصرية.‏ إلا ان الفلك كان منقذا للحياة.‏

يا له من مشروع ضخم!‏ لقد عنى على الارجح قطع آلاف الاشجار،‏ نقلها الى موقع البناء،‏ وجعلها ألواحا خشبية او عوارض.‏ وعنى ايضا نصب سقالات،‏ صنع مسامير او اوتاد،‏ الحصول على القار لمنع نفاذ الماء،‏ جلب اوعية وأدوات،‏ وهلم جرا.‏ وربما تطلب العمل التفاوض مع التجار ودفع ثمن بضائع وخدمات.‏ ومن الواضح انه تطلّب مهارة في عمل النجارة لإعداد الالواح والعوارض بدقة وإنشاء بناء متين الى حد ملائم.‏ كما ان عمل البناء دام على الارجح نحو ٥٠ او ٦٠ سنة!‏

بعد ذلك كان على نوح ان يهتم بإعداد كمية كافية من الطعام والعلف.‏ (‏تكوين ٦:‏٢١‏)‏ وكان يجب ان يجمع ويضبط عددا كبيرا من الحيوانات في الفلك.‏ لقد نفَّذ نوح كل ما امر به الله،‏ فأُنجِز العمل.‏ (‏تكوين ٦:‏٢٢‏)‏ وضمنت بركة يهوه نجاحه الكامل.‏

‏«كارز بالبر»‏

بالاضافة الى بناء الفلك،‏ اعلن نوح رسالة تحذير وخدم الله بأمانة ‹ككارز بالبر›.‏ لكن الناس «لم يكترثوا حتى جاء الطوفان وجرفهم جميعا».‏ —‏ ٢ بطرس ٢:‏٥؛‏ متى ٢٤:‏٣٨،‏ ٣٩‏.‏

نظرا الى الانحطاط الادبي والروحي في تلك الايام،‏ من السهل ان نعرف لماذا اصبحت عائلة نوح اضحوكة عند الشكّاكين وموضع اهانة وسخرية.‏ فلا بد ان الناس اعتبروهم مخبولين.‏ ولكنّ نوحا نجح في منح عائلته التشجيع والدعم الروحيَّين،‏ اذ لم يتبنوا قط الاساليب العنيفة،‏ الفاسدة ادبيا،‏ والمتصفة بالتمرد لمعاصريهم البعيدين عن الله.‏ وبأقوال نوح وأفعاله التي اظهرت ايمانه حكم على العالم في ذلك الزمان.‏ —‏ عبرانيين ١١:‏٧‏.‏

النجاة من الطوفان

قبل وقت قصير من ابتداء انهمار المطر،‏ امر الله نوحا بالدخول الى الفلك الذي انجزه.‏ وبعد دخول عائلة نوح والحيوانات ‹اغلق الرب عليهم›،‏ حاجبا عن مسامعهم كل التعليقات الساخرة.‏ وعندما جاء الطوفان،‏ ترك الملائكة العصاة اجسادهم اللحمية،‏ كما يظهر،‏ ونجوا من الهلاك.‏ ولكن ماذا عن الآخرين؟‏ خارج الفلك،‏ هلكت كل المخلوقات على اليابسة،‏ بما فيها النفيليم!‏ ولم ينجُ من البشر سوى نوح وعائلته.‏ —‏ تكوين ٧:‏١-‏٢٣‏.‏

قضى نوح وعائلته داخل الفلك سنة وعشرة ايام بحسب التقويم القمري.‏ اثناء ذلك انشغلوا بإطعام وسقي الحيوانات،‏ إزالة النفايات،‏ والبقاء على علم بالوقت.‏ ويعطي سفر التكوين تواريخ دقيقة لكل مراحل الطوفان كما لو انه سجلّ سفينة،‏ مما يبيِّن دقة الرواية.‏ —‏ تكوين ٧:‏١١،‏ ١٧،‏ ٢٤؛‏ ٨:‏٣-‏١٤‏.‏

لا شك ان نوحا اثار داخل الفلك مناقشات روحية مع عائلته،‏ وقادهم في تقديم الشكر لله.‏ ويبدو ان تاريخ ما قبل الطوفان حُفِظ بواسطة نوح وعائلته.‏ ولذلك فإن التقاليد الشفهية الموثوق بها او الوثائق التاريخية المكتوبة التي في حوزتهم كانت ستزوِّد مواضيع رائعة للبحث المفيد اثناء الطوفان.‏

يا للفرح الذي لا بد ان نوحا وعائلته اختبروه عندما وطئت اقدامهم اليابسة مجددا!‏ وأول امر قام به نوح هو نصب مذبح والقيام بدور كاهن لعائلته،‏ مقدِّما الذبائح للاله الذي انقذهم.‏ —‏ تكوين ٨:‏١٨-‏٢٠‏.‏

‏«كما كانت ايام نوح»‏

قال يسوع المسيح:‏ «كما كانت ايام نوح،‏ كذلك يكون حضور ابن الانسان».‏ (‏متى ٢٤:‏٣٧‏)‏ والمسيحيون اليوم هم بشكل مماثل كارزون بالبر يحضّون الناس على التوبة.‏ (‏٢ بطرس ٣:‏٥-‏٩‏)‏ ونظرا الى هذا التشابه،‏ ربما نتساءل عما كان يجول في فكر نوح قبل الطوفان.‏ فهل شعر في وقت ما ان كرازته عديمة الفائدة؟‏ وهل احسّ بالملل احيانا؟‏ لا يجيب الكتاب المقدس عن ذلك.‏ فهو يخبرنا فقط ان نوحا اطاع الله.‏

هل تدركون ان الحالة التي عاشها نوح هي ذات مغزى لنا؟‏ لقد اطاع نوح يهوه رغم المقاومة والمشقة.‏ ولذلك اعتبره يهوه بارا.‏ ولم تكن عائلة نوح تعلم تماما متى سيجلب الله الطوفان،‏ إلا انهم عرفوا انه سيأتي.‏ وقد دعم الايمان بكلمة الله نوحا خلال السنوات التي قضاها في العمل والكرازة التي ربما بدت عقيمة.‏ وفي الواقع يجري اخبارنا:‏ «بالايمان نوح،‏ بعدما أُعطي تحذيرا إلهيا من امور لم ترَ بعد،‏ اتَّقى وبنى فلكا لخلاص اهل بيته؛‏ وبهذا الايمان حكم على العالم،‏ وصار وارثا للبر الذي بحسب الايمان».‏ —‏ عبرانيين ١١:‏٧‏.‏

فكيف اكتسب نوح هذا الايمان؟‏ لقد قضى الوقت،‏ كما يظهر،‏ في التأمل في كل ما عرفه عن يهوه،‏ وجعل هذه المعرفة توجهه.‏ ولا شك انه تحدث الى الله بالصلاة.‏ وفي الواقع،‏ تعرَّف الى يهوه بشكل حميم جدا حتى انه ‹سار مع الله›.‏ وكرأس عائلة،‏ خصَّص نوح بسرور الوقت لعائلته ومنحها عنايته الحبية،‏ الامر الذي شمل الاهتمام بالمصالح الروحية لزوجته،‏ ابنائه الثلاثة،‏ وكنّاته.‏

وكنوح،‏ يعلم المسيحيون الحقيقيون اليوم ان يهوه سينهي قريبا نظام الاشياء هذا البعيد عن الله.‏ ومع اننا لا نعلم اليوم او الساعة،‏ فنحن ندرك ان الاقتداء بإيمان وطاعة هذا الشخص ‹الكارز بالبر› سيؤدي الى «استحياء النفس».‏ —‏ عبرانيين ١٠:‏٣٦-‏٣٩‏.‏

‏[الاطار في الصفحة ٢٩]‏

هل حدث حقا؟‏

جمع علماء الانسان نحو ٢٧٠ اسطورة للطوفان حصلوا عليها من كل القبائل والشعوب تقريبا.‏ يقول العالِم كلاوس وسترمان:‏ «نجد قصة الطوفان في كل مكان من العالم».‏ ويضيف:‏ «انها،‏ كرواية الخلق،‏ جزء من ميراثنا الحضاري الاساسي.‏ ومن المدهش حقا ان نجد في كل مكان من الارض روايات عن طوفان عظيم حدث في العصور القديمة».‏ فكيف يفسَّر ذلك؟‏ يقول المفسِّر أنريكو ڠالبياتي:‏ «ان الوجود المتكرر لرواية طوفان في تقاليد شعوب مختلفة ومتباعدة جدا دليل على حقيقة تاريخية شكلت الاساس لهذه الرواية في التقاليد».‏ لكن الاهم بالنسبة الى المسيحيين من ملاحظات العلماء هو معرفتهم ان يسوع نفسه تكلم عن الطوفان كحادثة حقيقية حصلت في تاريخ الجنس البشري.‏ —‏ لوقا ١٧:‏٢٦،‏ ٢٧‏.‏

‏[الاطار في الصفحة ٣٠]‏

النفيليم في الاساطير

شاعت بين اليونانيين،‏ المصريين،‏ الأوڠاريتيين،‏ الحوريين،‏ وشعوب ما بين النهرين حكايات عن علاقات جنسية محرَّمة بين الآلهة والبشر،‏ وعن «ابطال اسطوريين» او «انصاف آلهة» وُلدوا نتيجة هذه العلاقات.‏ كانت الآلهة في الاساطير اليونانية ذات اشكال بشرية تتحلى بجمال فائق.‏ وكانت تأكل،‏ تنام،‏ تمارس الجنس،‏ تشاجِر،‏ تحارب،‏ تغوي،‏ وتغتصب.‏ ورغم قداستها المزعومة،‏ كانت قادرة على الخداع وارتكاب الجريمة.‏ ويقال ان أبطالا،‏ كأخيل،‏ هم متحدرون من سلالة الهية وبشرية على السواء،‏ وأنهم مُنِحوا قدرة فوق الطبيعة البشرية لكنهم لم يحظوا بالخلود.‏ وهكذا،‏ ان ما يقوله سفر التكوين عن النفيليم يلقي الضوء على ما يُحتمَل او يرجّح ان يكون اصل هذه الاساطير.‏