العربية
القرلّى الزاهي الالوان
/assets/ct/28ada02fb0/images/syn_placeholder_sqr.png
ع ٤/‏١٠ ص ٢٨-‏٢٩
القرلّى الزاهي الالوان

القرلّى الزاهي الالوان

لا تكاد العين تلحظ سوى ومضة فيروزية متوهجة تغوص في الماء ثم تنطلق بسرعة البرق مخترقة الفضاء.‏ ليس ذلك البريق سوى طائر قِرِلّى قابضا بمنقاره على سمكة ومصفقا بجناحيه في الهواء.‏ هذا المشهد هو في الغالب اول لقاء بطائر القرلّى الزاهي الالوان ذي الرأس الكبير والمنقار الطويل نسبيا.‏ ومع انه يُدعى ايضا صياد السمك،‏ لا تقتات جميع انواعه بالاسماك.‏ فبعضها يفضل العظايا،‏ الافاعي،‏ السرطانات،‏ حتى الحشرات التي غالبا ما يلتقطها اثناء طيرانها.‏ كما ان ما يقارب الثلث فقط من طيور القرلّى في العالم تعيش قرب الماء.‏ فمواطنها المتنوعة تشمل الغابات المدارية الكثيفة والجزر المرجانية والصحاري.‏ مثلا،‏ يؤثِر القرلّى الاحمر الظهر السكن في المناطق الداخلية الجافة من اوستراليا.‏

اما الانواع التي تصطاد السمك فهي غاية في المهارة والحذق.‏ ففي العادة،‏ يجثم الطائر مترصدا السمكة بصبر.‏ وحين يقع بصره عليها،‏ يتأهب للانقضاض آخذا في الحسبان غريزيا عامل انكسار الضوء الذي يموّه موقعها الصحيح.‏ ثم يهوي نحو الماء خافقا بجناحيه ليزيد سرعته.‏ وإذا كانت السمكة قريبة من السطح ينتزعها بخفة فائقة،‏ وإلا فيثني جناحيه الى الوراء ويغطس كالسهم في الماء.‏ يقول كتاب حياة الطيور ‏(‏بالانكليزية)‏:‏ «انه عرض تتجلى فيه براعة لا مثيل لها،‏ عرض لا يعرف مؤدّيه التردد او الارتباك».‏ حتى ان القرلّى يقدر ان يظفر بأكثر من سمكة في الغطسة الواحدة!‏ وفي المناطق الباردة،‏ لوحظ ان بعض هذه الطيور تخترق طبقة رقيقة من الجليد لتقتنص فريستها.‏ وفي اوستراليا،‏ يُرى القرلّى اللازوردي يختطف حيوانات مائية صغيرة عكّر سكونها خلد الماء وهو يبحث عن الطعام في النهر.‏

المغازلة وبناء المسكن

طقوس المغازلة بين طيور القرلّى مسلية للغاية.‏ فالذكر في بعض الانواع يطارد انثاه في الهواء ثم يتباهى امامها بمهاراته في حفر المسكن.‏ ويمكن ان تشمل هذه الطقوس تقديم وجبة طعام شهية للأنثى يستعرض من خلالها كفاءته العالية كمعيل.‏

لا تبني طيور القرلّى اعشاشا تقليدية.‏ فبعضها يحفر نفقا في ضفة او خندق او حفرة من الحصى ثم يهيئ حجيرة في نهايته ويتخذها بيتا له.‏ والبعض الآخر يحلو له ان يسكن في جحر ارنب او تجويف شجرة.‏

ولبناء الحجيرة،‏ قد يحفر القرلّى نفقا يصل طوله الى متر تقريبا.‏ لكن التحدي يكمن في بداية المشروع.‏ ولتذليل هذه الصعوبة،‏ يندفع القرلّى عموما بشكل عمودي نحو ضفة النهر ومنقاره الى الامام ليحدث حفرة في سطحها،‏ وهي استراتيجية محفوفة بالمخاطر قد تفقد اي طير آخر توازنه او تتسبب بمقتله.‏ وفي الغابات المدارية المطيرة بغينيا الجديدة وشمالي اوستراليا،‏ من عادة قرلّى الفردوس ان يُحدِث حفرة في وكر الأرَض،‏ اي النمل الابيض.‏ ولا تبدي هذه الحشرات اي انزعاج من المتطفلين،‏ بل تعمد الى اصلاح الضرر حالما تخلي الطيور المكان بعد تكاثرها.‏

ولا يقل الاعتناء بالصغار صعوبة عن بناء المسكن.‏ فقد شاهد مراقب في افريقيا زوجين من القرلّى يحضران يوميا بين ٦٠ و ٧٠ سمكة لصغارهما الخمسة،‏ هذا عدا عن سد حاجة كل منهما الى الطعام.‏ وفي احدى المرات،‏ تكفّل الذكر وحده بفراخه بعدما ماتت انثاه قبل ان تفقس البيوض بأربعة ايام.‏ وتنال انواع معينة من القرلّى دعما من بعض رفيقاتها العاجزة عن التناسل التي تساعدها في حضن البيض والاهتمام لاحقا بالصغار.‏

من ايرلندا الى جزر سليمان

يعيش القرلّى الشائع في موطن مترامي الاطراف يمتد من ايرلندا في الشمال الغربي ليشمل اوروبا وروسيا وصولا الى جزر سليمان في الجنوب الشرقي.‏ وبما ان اراضيه تتضمن مناطق شتاؤها قارس،‏ فهو احد الانواع القليلة من القرلّى التي تهاجر،‏ حتى ان بعضها يقطع مسافة ٠٠٠‏,٣ كيلومتر تقريبا.‏ ويعيش في اسرائيل بمحاذاة بحر الجليل وعلى طول ضفاف نهر الاردن عدد لا بأس به من القرلّى الشائع،‏ فضلا عن القرلّى الابيض الصدر ونوع آخر يدعى خاطِف ظلّه.‏ لذا من المرجح ان يسوع المسيح صادف هذه الطيور الخلابة وراقب سبل عيشها.‏ —‏ انظر الاطار  ‏«تأملوا طيور السماء».‏

ثمة نوع من القرلّى ذائع الصيت هو الكوكابورّا الضاحك الذي يعيش في اوستراليا.‏ ولهذا الطائر قدّ يبلغ ٤٣ سنتيمترا ومنقار قوي طوله ٨ سنتيمترات.‏ وهو يلبس ثوبا بنّي اللون في معظمه،‏ وغالبا ما يراه الناظر سارحا في حدائق تلك البقعة من الكرة الارضية.‏ وهذا الكوكابورّا المشهور «بضحكته» الجنونية صياد لا يهاب الخطر،‏ حتى انه يلتهم افاعي يصل طولها الى المتر!‏ *

مع ان اعداء القرلّى في الطبيعة يُعدّون على الاصابع،‏ فإن اعداده تتقلص عندما تتلوث الانهار او يلحق الدمار بمواطنه في الغابات.‏ ففي الواقع،‏ يصنّف العلماء نحو ٢٥ نوعا منه ضمن فئات تتراوح بين المهددة بالخطر وتلك التي على شفير الانقراض.‏ لكنّ المعنيين يبذلون جهودا دؤوبة في هذا الصدد على امل ان يحافظوا على هذه الطيور الرائعة والمسلية.‏

‏[الحاشية]‏

^ ‎الفقرة 11‏ ان الكوكابورّا ذا الاجنحة الزرقاء الموجود في شمالي اوستراليا لا «يضحك».‏

‏[الاطار/‏الصورة في الصفحة ٢٩]‏

 ‏«تأملوا طيور السماء»‏

كان من عادة يسوع المسيح ان يراقب الطبيعة بدقة،‏ وقد استخدم في الغالب ما لاحظه ضمن ايضاحات مدروسة حملت في طياتها حقائق ادبية وروحية.‏ على سبيل المثال،‏ قال ذات مرة:‏ «تأملوا طيور السماء،‏ لأنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع الى مخازن،‏ وأبوكم السماوي يقوتها.‏ أفلستم انتم اثمن منها؟‏».‏ (‏متى ٦:‏٢٦‏)‏ فيا له من درس مؤثر في محبة اللّٰه لمخلوقاته البشرية!‏

‏[الصورة في الصفحة ٢٨]‏