الانتقال الى المحتويات

الانتقال الى القائمة الثانوية

الانتقال الى قائمة المحتويات

شهود يهوه

العربية

برج المراقبة (‏الطبعة الدراسية)‏  |  ايار/مايو ٢٠١٤

 قصة حياة

يهوه كان دوما معيني

يهوه كان دوما معيني

في صبيحة احد الايام القارسة البرد،‏ ترجلتُ انا وعروسي إفلِن من القطار في هورنباين،‏ بلدة صغيرة تقع في جزء ناء من شمال اونتاريو،‏ كندا.‏ فأتى احد الاخوة المحليين ليأخذنا.‏ وبعدما تناولنا فطورا مشبِعا معه ومع زوجته وابنه،‏ شققنا طريقنا في الثلوج وقدمنا الشهادة من بيت الى بيت.‏ وبعد ظهر ذلك اليوم،‏ ألقيت خطابي العام الاول كناظر دائرة.‏ ولم يكن هناك سوانا نحن الخمسة.‏

في الحقيقة،‏ لم يزعجني ذاك العدد الصغير الذي حضر لسماع خطابي سنة ١٩٥٧.‏ فلطالما كنت خجولا جدا.‏ وفي الواقع،‏ كان من عادتي وأنا صغير ان اختبئ عندما يزورنا الضيوف في المنزل،‏ حتى لو كنت اعرفهم.‏

لذلك،‏ ربما تتفاجأ حين تعلم ان معظم تعييناتي في هيئة يهوه اجبرتني ان احتك بأناس كثيرين،‏ سواء أكانوا اصدقاء ام غرباء.‏ مع ذلك،‏ لم انفك عن التصارع مع الخجل وقلة الثقة.‏ لكن الفضل في اي نجاح حققته في هذه التعيينات لا يرجع اليَّ.‏ فأنا لمست صحة وعد يهوه:‏ «اشددك وأعينك.‏ اعضدك بيمين بري».‏ (‏اش ٤١:‏١٠‏)‏ وإحدى ابرز الطرائق التي ساعدني بها يهوه هي دعم الرفقاء المسيحيين لي.‏ وسأخبرك الآن عن بعضهم،‏ مبتدئا من ايام طفولتي.‏

استخدمتْ كتابا مقدسا ودفترا اسود صغيرا

في مزرعة عائلتنا في جنوب غرب اونتاريو

ذات صباح يوم احد مشمس في اربعينيات القرن العشرين،‏ زارتنا إلسي هانتِنغفرد في مزرعة عائلتنا في جنوب غرب اونتاريو.‏ ففتحت امي الباب لها في حين ان ابي،‏ الذي كان خجولا مثلي،‏ بقي معي في الداخل واستمع الى الحديث.‏ وإذ  اعتقد ان الاخت هانتِنغفرد بائعة وأن امي ستبتاع شيئا لسنا في حاجة اليه،‏ ذهب الى الباب وقال لها اننا لسنا مهتمين.‏ فسألت الاخت:‏ «أولستم مهتمين بدرس في الكتاب المقدس؟‏».‏ فأجاب ابي:‏ «بالطبع نحن مهتمون بذلك».‏

كان الوقت الذي زارتنا فيه الاخت هانتِنغفرد وقتا مثاليا.‏ فوالداي كانا سابقا عضوين ناشطين جدا في الكنيسة المتحدة في كندا،‏ ولكنهما كانا قد قررا قبل فترة قصيرة ان يتركاها.‏ ذلك ان الكاهن كان يعلِّق في ردهة الكنيسة قائمة بالمتبرعين تُرتَّب وفقا لقيمة المبلغ الذي قدموه.‏ وبما ان والديّ لم يملكا الكثير من المال،‏ كان اسمهما يرد عادة في اواخر هذه اللائحة.‏ فعرف الجميع انهما كانا يتبرعان بأقل من غيرهما.‏ كما ضغط عليهما شيوخ الكنيسة ليعطيا المزيد.‏ اضافة الى ذلك،‏ اعترف احد الكهنة انه قد يخسر عمله ان علّم ما يؤمن به فعلا.‏ لذا تركنا الكنيسة،‏ ولكننا بقينا نسعى لإشباع حاجتنا الروحية.‏

بما ان عمل شهود يهوه كان آنذاك محظورا في كندا،‏ عقدت الاخت هانتِنغفرد درسا مع عائلتنا،‏ مستخدمة فقط الكتاب المقدس وبعض الملاحظات التي دوّنتها في دفتر اسود صغير.‏ وعندما ادركت في ما بعد اننا لن نشي بها الى السلطات،‏ اعطتنا مطبوعات الكتاب المقدس.‏ فكنا نخبئها بحذر بعد نهاية كل درس.‏ *

قبِل والداي الحق واعتمدا سنة ١٩٤٨

على الرغم من المقاومة والعراقيل الأخرى،‏ كرزت الاخت هانتِنغفرد بالبشارة بغيرة.‏ وقد اثرت فيَّ غيرتها ودفعتني ان اسير في طريق الحق.‏ فبعد سنة واحدة من معمودية والديَّ كشاهدين ليهوه،‏ اعتمدت رمزا الى انتذاري لله في ٢٧ شباط (‏فبراير)‏ عام ١٩٤٩ في حوض معدني استخدمه المزارعون لسقي المواشي.‏ وكنت في ذاك الوقت في الـ‍ ١٧ من عمري.‏ بعد ذلك،‏ صممت على الانخراط في الخدمة كامل الوقت.‏

يهوه ساعدني كي اكون شجاعا

تفاجأت بدعوتي الى بيت ايل عام ١٩٥٢

ترددت في الانخراط في الفتح فورا.‏ فعملت لفترة من الوقت في مصرف وفي مكتب لأني كنت قد اقنعت ذاتي انني بحاجة الى كسب المال كي اعيل نفسي عندما اصير  فاتحا.‏ غير اني كنت شابا عديم الخبرة،‏ فصرفت المال بسرعة حالما حصلت عليه.‏ فحضني اخ اسمه تيد سارجنت ان اتشجع وأن اضع ثقتي في يهوه.‏ (‏١ اخ ٢٨:‏١٠‏)‏ وهذا التشجيع اللطيف دفعني ان ابدأ بخدمة الفتح في تشرين الثاني (‏نوفمبر)‏ ١٩٥١.‏ ولم يكن لديَّ آنذاك سوى ٤٠ دولارا،‏ دراجة هوائية مستعملة،‏ وحقيبة جديدة.‏ لكن يهوه كان دائما يؤمن لي كل ما احتاج اليه.‏ فكم انا شاكر لتيد على تشجيعه لي ان انخرط في خدمة الفتح!‏ فهذا ادى بي الى نيل بركات اخرى.‏

فذات امسية في اواخر شهر آب (‏اغسطس)‏ ١٩٥٢،‏ تلقيت اتصالا هاتفيا من تورونتو،‏ دعاني فيه مكتب فرع شهود يهوه في كندا ان ابدأ بخدمة بيت ايل في ايلول (‏سبتمبر)‏.‏ ومع انني كنت خجولا ولم ازر الفرع من قبل،‏ كنت متحمسا لأن فاتحين آخرين كانوا قد اخبروني امورا رائعة عن بيت ايل.‏ ولم تمض فترة طويلة على مكوثي هناك حتى شعرت وكأنني في منزلي.‏

‏«‏اظهر للإخوة انك تهتم لأمرهم»‏

بعد سنتين من وصولي الى بيت ايل،‏ خلَفت بيل يايكِس كخادم جماعة (‏اي ما يُعرف اليوم بمنسِّق هيئة الشيوخ)‏ في احدى جماعات تورونتو.‏ وإذ كنت لا ازال في الـ‍ ٢٣ من عمري فقط،‏ شعرت بأنني مجرد فتى بسيط ترعرع في مزرعة.‏ الا ان الاخ يايكِس علمني بتواضع ومحبة ما يجب ان افعله.‏ كما ان يهوه كان دوما معيني.‏

كان الاخ يايكِس قصير القامة،‏ قويّ البنية،‏ ممتلىء الجسم،‏ ولا تفارق الابتسامة وجهه.‏ وكان يهتم جدا بالناس.‏ وقد اكن المحبة للإخوة وهم بدورهم احبوه.‏ فكان يزورهم بانتظام في بيوتهم،‏ وليس فقط حين تصيبهم مشكلة.‏ وقد شجعني ان احذو حذوه وأن اعمل الى جانب الاخوة والاخوات في خدمة الحقل.‏ قال لي:‏ «كين،‏ اظهر للإخوة انك تهتم لأمرهم.‏ فهذا يستر كثرة من العيوب».‏

زوجتي تعرب عن الحب والولاء

ساعدني يهوه بطريقة مميزة منذ كانون الثاني (‏يناير)‏ ١٩٥٧.‏ ففي ذاك الشهر،‏ تزوجت بإفلِن،‏ وهي متخرجة من الصف الـ‍ ١٤ لمدرسة جلعاد.‏ وقبل زواجنا،‏ كانت تخدم في مقاطعة كيبك الناطقة باللغة الفرنسية.‏ في تلك الايام،‏ كانت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تُسيطر سيطرة شبه تامة على كيبك.‏ لذا،‏ كان تعيين إفلِن في غاية الصعوبة،‏ ولكنها التصقت به وبيهوه بولاء.‏

تزوجت بإفلِن عام ١٩٥٧

كما ان إفلِن التصقت بولاء بي انا ايضا.‏ (‏اف ٥:‏٣١‏)‏ وفي الحقيقة،‏ امتُحن ولاؤها مباشرة بعد زواجنا.‏ فقد كنا نخطط للذهاب في رحلة الى فلوريدا،‏ الولايات المتحدة الاميركية.‏ ولكن،‏ في اليوم الذي تلا يوم زفافنا،‏ طلب مني الفرع ان احضر اجتماعا طوله اسبوع في بيت ايل في كندا.‏ صحيح ان هذا الاجتماع تعارض مع خططنا،‏ الا اننا اردنا ان نفعل ما يطلبه يهوه منا.‏ لذا،‏ ألغينا شهر العسل.‏ وخلال ذلك الاسبوع،‏ تابعتْ إفلِن خدمتها بالقرب من الفرع.‏ ومع ان المقاطعة كانت مختلفة كل الاختلاف عن كيبك،‏ الا انها بقيت مثابرة على الخدمة.‏

 وفي نهاية ذاك الاسبوع،‏ تفاجأت بتعييني ناظر دائرة في شمال اونتاريو.‏ فكنت شابا في الـ‍ ٢٥ قليل الخبرة ومتزوجا حديثا.‏ ولكننا انطلقنا الى هناك واثقين من دعم يهوه لنا.‏ ففي عز الشتاء الكندي،‏ ركبنا قطارا مع عدد من النظار الجائلين ذوي الخبرة الذين كانوا عائدين الى تعييناتهم.‏ فقدموا لنا الكثير من التشجيع.‏ حتى ان احد الاخوة ألح علينا ان ننام في مقصورة تحوي سريرا كان قد حجزها لنفسه،‏ لكيلا نضطر الى الجلوس على مقعد غير مريح طول الليل.‏ وفي الصباح التالي،‏ اي بعد ١٥ يوما فقط من زفافنا،‏ زرنا الفريق الصغير في هورنباين كما رويت في بداية الاختبار.‏

وبعد بضع سنوات،‏ تغيرت حياتنا من جديد.‏ فبينما كنت اخدم ناظر كورة في اواخر الستينيات،‏ تلقيت دعوة لحضور الصف الـ‍ ٣٦ لمدرسة جلعاد،‏ الذي كان سيبدأ في شباط (‏فبراير)‏ ١٩٦١ في بروكلين،‏ نيويورك.‏ وكانت مدة المدرسة آنذاك ١٠ اشهر.‏ طبعا،‏ كنت متحمسا جدا لحضور المدرسة،‏ ولكني شعرت ايضا بالحزن لأن إفلِن لم تتلقَّ الدعوة.‏ بل سُئلت،‏ مثلها مثل غيرها من الزوجات،‏ ان تكتب رسالة تعبِّر فيها عن موافقتها على ان نفترق عشرة اشهر على الاقل.‏ فأحزنتها فكرة فراقنا وذرفت الدموع،‏ لكنها كانت سعيدة بأني سأتلقى تدريبا قيما في جلعاد.‏ لذا،‏ اتفقنا ان احضر المدرسة.‏

حين كنت في مدرسة جلعاد،‏ كانت إفلِن تخدم في فرع كندا حيث حظيت بامتياز السكن في غرفة مع اخت ممسوحة تُدعى مارغريت لوفيل.‏ صحيح انني وإفلِن اشتقنا كثيرا بعضنا الى بعض،‏ الا اننا بمعونة يهوه تأقلمنا مع تعييناتنا المؤقتة.‏ وقد مسني في الصميم استعدادها ان تضحي بوقتنا سوية لكي اكون ذا فائدة اكبر ليهوه وهيئته.‏

بعد نحو ثلاثة شهور من دخولي مدرسة جلعاد،‏ قدم لي الاخ ناثان نور،‏ الذي اخذ آنذاك القيادة في العمل العالمي،‏ عرضا غير اعتيادي.‏ فقد سألني ما اذا كنت مستعدا ان اترك مدرسة جلعاد وأرجع الى كندا كي اخدم هناك وقتيا كأستاذ في مدرسة خدمة الملكوت في الفرع.‏ وقال لي اني لست مرغما على قبول العرض.‏ فبمقدوري ان اتابع مدرسة جلعاد اذا احببت ومن ثُم أعيَّن على الارجح في العمل الارسالي.‏ كما قال لي انني ان قررت العودة الى كندا،‏ فربما لن أُدعى مرة ثانية الى جلعاد وإنني قد أُعيَّن مجددا بعد فترة في الحقل في كندا.‏ فترك الخيار لي بعد ان اتحدث الى زوجتي عن الامر.‏

وبما انني كنت اعرف نظرة إفلِن الى التعيينات الثيوقراطية،‏ قلت للأخ نور على الفور:‏ «يسرّنا ان نقوم بكل ما تريد هيئة يهوه منا ان نفعله».‏ فنحن شعرنا دائما انه بغض النظر عن تفضيلاتنا،‏ ينبغي ان نذهب الى اي مكان تعيِّننا هيئة يهوه فيه.‏

وهكذا،‏ تركت بروكلين في نيسان (‏ابريل)‏ ١٩٦١  ورجعت الى كندا لأعلِّم في مدرسة خدمة الملكوت.‏ وفي ما بعد،‏ بدأنا نخدم في عائلة بيت ايل.‏ بعد ذلك،‏ تفاجأت بتلقي دعوة لحضور الصف الـ‍ ٤٠ لمدرسة جلعاد الذي كان سيبدأ سنة ١٩٦٥.‏ ومرة اخرى،‏ كان على إفلِن ان تكتب رسالة توافق فيها على افتراقنا.‏ ولكن كم ابتهجنا بعد اسابيع قليلة حين تلقت هي ايضا دعوة لحضور المدرسة معي!‏

بعد وصولنا الى مدرسة جلعاد،‏ قال لنا الاخ نور ان التلامذة الذين يحضرون الصفوف باللغة الفرنسية سيُرسَلون الى افريقيا.‏ بيد اننا عند تخرجنا عُيِّنَّا مجددا في كندا،‏ حيث امسيت ناظر الفرع (‏اي ما يُدعى الآن منسق لجنة الفرع)‏.‏ وإذ كنت في الـ‍ ٣٤ من عمري فقط،‏ ذكَّرت الاخ نور،‏ قائلا:‏ «انا لا ازال صغيرا جدا في السن».‏ ولكنه طمأنني وساعدني على التحلي بالثقة.‏ ومنذ بداية خدمتي هناك،‏ حاولت ان استشير الاخوة الاكبر سنا ذوي الخبرة في بيت ايل قبل اتخاذ القرارات المهمة.‏

بيت ايل،‏ مكان للتعلم والتعليم

فتحت لي خدمة بيت ايل فرصا رائعة للتعلم من الآخرين.‏ فأنا احترم باقي اعضاء لجنة الفرع وأقدرهم جدا.‏ هذا وإني تأثرت ايجابا بمئات الاخوة والاخوات المسيحيين الامناء —‏ الكبار والصغار —‏ الذين التقيت بهم هنا في الفرع والذين تعرفت بهم في الجماعات التي خدمنا فيها.‏

فيما ادير العبادة الصباحية في بيت ايل في كندا

بالاضافة الى ذلك،‏ سمحت لي الخدمة في بيت ايل ان اعلِّم الآخرين وأقوي ايمانهم.‏ قال الرسول بولس لتيموثاوس:‏ «اثبت على ما تعلمت».‏ وذكر ايضا:‏ «ما سمعته مني بتأييد شهود كثيرين،‏ استودعه اناسا امناء يكونون هم ايضا اهلا ليعلموا آخرين».‏ (‏٢ تي ٢:‏٢؛‏ ٣:‏١٤‏)‏ فأحيانا،‏ يسألني الاخوة المسيحيون اية دروس تعلمتها خلال الـ‍ ٥٧ سنة التي قضيتها في بيت ايل.‏ فأجيبهم بكل بساطة:‏ «افعلوا ما تطلبه هيئة يهوه منكم طوعا وعلى الفور،‏ متكلين على يهوه ليساعدكم».‏

لا يزال اليوم الذي اتيت فيه الى بيت ايل واضحا وضوح الشمس في ذهني،‏ وكأنه البارحة.‏ فقد كنت شابا خجولا عديم الخبرة.‏ غير ان يهوه كان ‹يمسك بيميني› طيلة هذه السنوات.‏ وهو يطمئنني باستمرار،‏ وخصوصا عبر لطف ودعم الرفقاء المسيحيين لي،‏ قائلا:‏ «لا تخف.‏ انا اعينك».‏ —‏ اش ٤١:‏١٣‏.‏

^ ‎الفقرة 10‏ في ٢٢ ايار (‏مايو)‏ ١٩٤٥،‏ رفعت الحكومة الكندية الحظر عن عملنا.‏