إعداد الوصول

اختر اللغة

الانتقال الى القائمة الثانوية

الانتقال الى قائمة المحتويات

الانتقال الى المحتويات

شهود يهوه

العربية

برج المراقبة (‏الطبعة الدراسية)‏ حزيران/يونيو ٢٠١٣

 قصة حياة

اطاعة يهوه عادت علي ببركات جزيلة

اطاعة يهوه عادت علي ببركات جزيلة

ما زلت اتذكر ابي يقول لنا ونحن بعد صغار:‏ «ما اروع الدرس الذي نتعلمه من نوح!‏ فقد اطاع يهوه وأحب عائلته،‏ وقد نجوا كلهم من الطوفان لأنهم دخلوا الفلك».‏

هذه من اولى ذكرياتي عن ابي الذي كان رجلا متواضعا ومجتهدا.‏ وقد امتلك حسا مرهفا بالعدل جعله ينجذب فورا الى رسالة الكتاب المقدس التي سمعها عام ١٩٥٣.‏ ومن ذلك الوقت وصاعدا،‏ بذل ما في وسعه لينقل الينا،‏ نحن الاولاد،‏ ما كان يتعلمه.‏ اما والدتي فقد ترددت في البداية في ترك التقاليد الكاثوليكية.‏ غير انها بدأت لاحقا تقبل هي ايضا تعاليم الكتاب المقدس.‏

لم تكن مهمة تعليمنا الحق سهلة على والدينا.‏ فأمي كانت شبه امية،‏ وكان ابي يكد في العمل ساعات طويلة في الحقول.‏ وأحيانا،‏ كان يأخذ التعب منه كل مأخذ فيغفو اثناء الدرس.‏ لكن جهوده لم تذهب سدى.‏ فكوني الولد البكر،‏ ساهمت في تعليم اختي وأخويّ.‏ ومن بين الامور التي علمتهم اياها قصة نوح التي غالبا ما كان ابي يرددها على مسامعنا،‏ ذاكرا مدى محبة نوح لعائلته ومدى اطاعته ليهوه.‏ فكم احببت تلك الرواية!‏ ولم تمض فترة طويلة حتى صرنا جميعنا نحضر الاجتماعات في قاعة الملكوت بمدينة روزَيتو دِليي آبروتزي الايطالية الواقعة على ساحل البحر الأدرياتيكي.‏

لم اكن قد تجاوزت الـ‍ ١١ من عمري حين سافرت مع امي عام ١٩٥٥ عبر المناطق الجبلية باتجاه الغرب لنحضر اول محفل لنا في روما.‏ ومذاك،‏ صارت هذه التجمعات الكبيرة المناسبات الروحية الاحب الى قلبي.‏

اعتمدت في السنة التالية وسرعان ما باشرت الخدمة كامل الوقت.‏ وفي الـ‍ ١٧ من عمري،‏ عينت فاتحة خصوصية في مدينة لاتينا جنوبي روما،‏ على بعد نحو ١٩٠ ميلا (‏٣٠٠ كلم)‏ من المنطقة التي نشأت فيها.‏ وبما انها كانت مدينة حديثة نسبيا،‏ لم يعر الناس اهمية كبيرة لما يقوله عنهم الآخرون اذا اصغوا الى رسالتنا.‏ فسهل علينا انا ورفيقتي في الخدمة ان نوزع الكثير من المطبوعات المؤسسة على الكتاب المقدس.‏ ورغم اني كنت فرحة جدا في خدمتي،‏ اشتقت كثيرا الى دياري اذ كنت صغيرة السن نسبيا.‏ لكن رغبتي في اتمام التعيين الذي اعطاني اياه يهوه ان اخدم في تلك المقاطعة ساعدتني ان اتخطى مشاعر الحنين هذه.‏

يوم زفافنا

 عيِّنت لاحقا في ميلانو لأساهم في الاستعدادات لمحفل «البشارة الابدية» الاممي لعام ١٩٦٣.‏ وخلال المحفل،‏ عملت جنبا الى جنب مع متطوعين آخرين،‏ بمن فيهم اخ شاب من فلورنسا اسمه پاولو پيتشولي.‏ في اليوم الثاني من المحفل،‏ ألقى پاولو خطابا حماسيا حول العزوبة.‏ ففكرت وأنا اصغي اليه:‏ ‹لا شك ان هذا الاخ لن يقدم على خطوة الزواج ابدا!‏›.‏ لكن ما حدث في الواقع هو اننا بدأنا نتراسل واتضح ان لدينا العديد من القواسم المشتركة:‏ اهدافنا،‏ محبتنا ليهوه،‏ وتوقنا الشديد الى اطاعته.‏ وقد تزوجنا انا وپاولو عام ١٩٦٥.‏

مناظرات مع رجال الدين

خدمت فاتحة عادية في فلورنسا طوال عشر سنوات.‏ وسرني كثيرا ان ارى الازدهار الروحي في الجماعات،‏ ولا سيما التقدم الذي احرزه الشباب.‏ وقد تمتعنا انا وپاولو بقضاء الوقت معهم في تبادل الاحاديث الروحية،‏ وكذلك في التسلية التي غالبا ما عنت ان يلعب پاولو كرة القدم معهم.‏ لا شك انني احببت ان امضي وقتا اكبر مع زوجي،‏ الا انني ادركت ان الشباب والعائلات في الجماعة كانوا بحاجة ان يعطيهم من وقته ويهتم بهم.‏

ما زلت حتى الآن افرح كلما فكرت في الدروس العديدة التي كنا نعقدها.‏ اتذكر مثلا درسنا مع ادريانا التي كانت تخبر عائلتين اخريين بما تتعلمه.‏ فرتبت هاتان العائلتان اجتماعا مع احد الكهنة لمناقشة عقائد كنسية كالثالوث وخلود النفس.‏ فأتى ثلاثة رجال دين من ذوي المناصب الرفيعة وراحوا يعطون شروحات معقدة ومتضاربة جدا،‏ ما جعل تلامذتنا يكتشفون بكل سهولة انها تنافي تعاليم الكتاب المقدس الواضحة.‏ وكانت هذه الحادثة نقطة تحول هامة.‏ فمع مرور الوقت،‏ بات ١٥ فردا من افراد العائلتين شهودا ليهوه.‏

طبعا،‏ ان اسلوب كرازتنا اليوم يختلف تماما عما كان عليه في الماضي.‏ ففي تلك الايام،‏ كثيرا ما كان پاولو يخوض مناظرات مع رجال دين حول تعاليم الكتاب المقدس حتى بات «خبيرا» في الدفاع عن معتقداتنا في تلك الجلسات.‏ وأتذكر حين تواجه معهم ذات مرة امام مجموعة من غير الشهود.‏ فآنذاك،‏ اتضح انهم كانوا قد طلبوا من البعض في الحضور ان يطرحوا عليه اسئلة مربكة.‏ لكن الرياح لم تجر بما تشتهي السفن.‏ فقد سأل احدهم ما اذا كان يحق للكنيسة ان تتدخل في الشؤون السياسية.‏ فوضع سؤاله هذا رجال الدين في موقف حرج.‏ وفجأة،‏ انطفأت الانوار وألغي الاجتماع.‏ وبعد سنوات،‏ تبين لنا ان الكهنة هم الذين دبروا ان يقطع احد ما الكهرباء في حال لم تجر الامور مثلما خططوا لها.‏

 العمل الدائري والخدمة في بيت ايل

بعدما مرت عشر سنوات على زواجنا،‏ دُعينا للانخراط في العمل الدائري.‏ ولأن پاولو كان يشغل وظيفة محترمة،‏ صعب علينا اتخاذ قرار.‏ لكن إثر التفكير مليا والصلاة بحرارة،‏ قبلنا الدعوة وباشرنا خدمتنا.‏ وقد وجدنا متعة كبيرة في قضاء الوقت مع العائلات التي استضافتنا.‏ ففي الامسيات،‏ غالبا ما كنا ندرس الكتاب المقدس معا،‏ وكان زوجي يساعد الاولاد في انجاز فروضهم المدرسية،‏ ولا سيما الرياضيات.‏ زد على ذلك ان پاولو كان قارئا نهما،‏ فلذَّ له اخبار الآخرين بالامور الشيقة والمشجعة التي كان يطالعها.‏ وكنا ايام الاثنين نكرز في معظم الاحيان في بلدات لا شهود فيها وندعو الناس الى الاستماع لخطاب أُعد ليلقى في المساء.‏

تمتعنا انا وپاولو بقضاء الوقت مع الشباب،‏ الامر الذي غالبا ما عنى ان يلعب كرة القدم معهم

بعد سنتين،‏ دعينا الى الخدمة في بيت ايل في روما.‏ فأُوكل الى پاولو الاهتمام بالمسائل القانونية،‏ وعيِّنتُ انا في قسم المجلات.‏ ورغم ان التغيير لم يكن سهلا علينا،‏ عزمنا ان نتحلى بالطاعة.‏ وكم سرّنا ان نرى التوسع التدريجي في فرع ايطاليا والنمو الهائل في عدد الاخوة في البلد!‏ وفي تلك الاثناء ايضا،‏ حظي عمل الشهود بالاعتراف الشرعي.‏ وخدمتنا هذه منحتنا دون شك سعادة كبيرة.‏

احب پاولو عمله في بيت ايل

وفيما كنا نخدم في بيت ايل،‏ صار موقف الشهود من الدم حديث الناس في ايطاليا.‏ ففي اوائل ثمانينات القرن العشرين،‏ اثارت قضية قانونية حول هذه المسألة ضجة كبيرة في البلد.‏ فقد اتُّهم زوجان من الشهود زورا بأنهما تسبّبا في موت ابنتهما،‏ رغم انها ماتت فعليا نتيجة اصابتها بمرض وراثي خطير في الدم كان شائعا في منطقة البحر المتوسط.‏ فقدم الاخوة في بيت ايل المساعدة للمحامين الذين يمثلون الوالدَين المسيحيَّين.‏ وجرى اصدار نشرة وعدد خاص من مجلة استيقظ!‏ ليطَّلع الرأي العام على الوقائع ويفهم تماما ما تقوله كلمة الله عن موضوع الدم.‏ وخلال تلك الشهور،‏ كان پاولو في معظم الاحيان ينكب على العمل نحو ١٦ ساعة متواصلة يوميا.‏ وقد بذلت ما في وسعي لأدعمه في جهوده هذه.‏

منعطف آخر في حياتنا

بعد ٢٠ سنة من زواجنا،‏ حصل ما لم يكن في الحسبان.‏ فكنت انا بعمر ٤١ سنة وپاولو بعمر ٤٩ سنة حين اخبرته اني قد اكون حبلى.‏ وقد وجدت في صفحة يومياته لذلك اليوم الكلمات التالية:‏ «صلاة:‏ اذا كان الامر صحيحا،‏ فأعنّا ان نبقى في الخدمة كامل الوقت،‏ ألا نتراخى روحيا،‏ وأعنّا أن نرسم المثال الحسن كوالدين.‏ والاهم،‏ ساعدني كي اطبق ١ في المئة على الاقل من كل ما علمته في الثلاثين سنة المنصرمة».‏ وقد شعرنا من اختباراتنا لاحقا ان يهوه استجاب صلاته،‏ وصلاتي ايضا.‏

 مع ولادة ايلاريا،‏ انقلبت حياتنا رأسا على عقب.‏ حتى اننا مررنا بفترات من التثبط كتلك الموصوفة في الامثال ٢٤:‏١٠‏:‏ «إن تثبطت في يوم الشدة،‏ ضاقت قوتك».‏ لكننا ساندنا واحدنا الآخر،‏ اذ تذكرنا اهمية التشجيع المتبادل.‏

واليوم،‏ لا تتردد ايلاريا في التعبير عن سعادتها لأنها تربت على يدي والدَين منشغلَين في الخدمة كامل الوقت.‏ وهي لم تشعر قط انها أُهملت.‏ فخلال النهار،‏ كنت انا من يعتني بها.‏ وعند عودة پاولو الى البيت مساء،‏ كان يمضي الوقت معها يلاعبها ويساعدها في فروضها.‏ ولم يتوان عن فعل ذلك حتى لو اضطر في معظم الاحيان الى السهر حتى الثانية او الثالثة صباحا لينهي العمل المتوجب عليه.‏ لذا،‏ كانت ايلاريا تردد دائما:‏ «ابي هو افضل صديق لي».‏

لا شك ان إبقاء ايلاريا على درب الحق تطلب منا منحها التأديب بثبات،‏ وبحزم احيانا.‏ اتذكر انها ذات يوم اساءت التصرف وهي تلعب مع صديقتها.‏ فشرحنا لها من الكتاب المقدس لماذا تصرفها خاطئ وطلبنا منها الاعتذار من صديقتها امامنا.‏

تقول ايلاريا ان محبتنا للخدمة دفعتها ان تحب الخدمة هي ايضا.‏ والآن بعدما كبرت وتزوجت،‏ باتت تدرك بشكل اعمق كم من المهم اطاعة يهوه واتباع ارشاده.‏

التحلي بالطاعة في خضم الاحزان

عام ٢٠٠٨،‏ اكتشف پاولو انه مصاب بالسرطان.‏ في البداية بدا انه سيتغلب على المرض،‏ وقد شجعني كثيرا بكلماته وموقفه.‏ لكن مع مرور الوقت،‏ تدهورت صحته.‏ فكنا،‏ اضافة الى استشارة افضل الاطباء،‏ نلجأ مع ايلاريا الى يهوه في صلوات طويلة ملتمسين منه المساعدة على مواجهة المستقبل.‏ رغم ذلك،‏ شقّ علي كثيرا ان ارى زوجي،‏ ذاك الرجل القوي والمفعم بالنشاط،‏ يذوي تدريجيا امام عيني حتى وفاته عام ٢٠١٠.‏ وكان موته ضربة قاسية جدا علي.‏ غير انني استمددت العزاء والقوة من التأمل في الانجازات الرائعة التي حققناها في السنوات الـ‍ ٤٥ التي قضيناها سويا.‏ لقد اعطينا يهوه افضل ما لدينا،‏ وأنا اعلم يقينا انه لن ينسى ابدا تعبنا.‏ وها انا اليوم انتظر بشوق ان التقي پاولو في القيامة،‏ بحسب وعد يسوع المدون في يوحنا ٥:‏٢٨،‏ ٢٩‏.‏

‏«ما زلت في اعماقي تلك الفتاة الصغيرة التي تعشق قصة نوح.‏ وما زال تصميمي هو هو»‏

ما زلت في اعماقي تلك الفتاة الصغيرة التي تعشق قصة نوح.‏ وما زال تصميمي هو هو.‏ فأنا اريد ان اطيع يهوه مهما طُلب مني.‏ وفي حياتي،‏ لمست لمس اليد ان اطاعة يهوه تستحق العناء دائما.‏ فقد تعلمت ان كل مشكلة نواجهها،‏ كل تضحية نقوم بها،‏ او كل خسارة تلحق بنا هي تافهة بالمقارنة مع البركات الجزيلة التي يغدقها علينا إلهنا المحب يهوه.‏