الانتقال الى المحتويات

الانتقال الى القائمة الثانوية

الانتقال الى قائمة المحتويات

شهود يهوه

العربية

برج المراقبة (‏الطبعة الدراسية)‏  |  نيسان/ابريل ٢٠١٧

 قِصَّةُ حَيَاةٍ

صمَّمت ان اكون جنديا للمسيح

صمَّمت ان اكون جنديا للمسيح

رَفَعْتُ بِبُطْءٍ مِنْدِيلًا أَبْيَضَ وَٱلرَّصَاصُ يَتَطَايَرُ حَوْلِي.‏ فَصَاحَ بِي ٱلْجُنُودُ لِأَخْرُجَ مِنْ مَخْبَئِي.‏ فَٱقْتَرَبْتُ مِنْهُمْ بِحَذَرٍ وَأَنَا لَا أَعْلَمُ إِنْ كُنْتُ سَأَبْقَى عَلَى قَيْدِ ٱلْحَيَاةِ أَمْ لَا.‏ فَكَيْفَ وَقَعْتُ فِي هٰذَا ٱلْمَأْزِقِ؟‏

وُلِدْتُ عَامَ ١٩٢٦ لِأَبَوَيْنِ كَادِحَيْنِ فِي قَرْيَةِ كَارِيتْسَا ٱلصَّغِيرَةِ فِي ٱلْيُونَانِ.‏ وَكُنْتُ ٱلسَّابِعَ بَيْنَ أَوْلَادِهِمَا ٱلثَّمَانِيَةِ.‏

قَبْلَ سَنَةٍ مِنْ وِلَادَتِي،‏ ٱلْتَقَى وَالِدَايَ تِلْمِيذًا لِلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ (‏كَمَا كَانَ شُهُودُ يَهْوَهَ يُدْعَوْنَ آنَذَاكَ)‏ ٱسْمُهُ جُون بَابَارِيزُوس.‏ كَانَ جُون مُبَشِّرًا غَيُورًا يُنَاقِشُ بِمَنْطِقٍ مِنَ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ.‏ فَتَأَثَّرَ وَالِدَايَ بِأُسْلُوبِهِ،‏ وَٱبْتَدَأَا يَحْضُرَانِ ٱلِٱجْتِمَاعَاتِ فِي قَرْيَتِنَا.‏ نَمَا فِي أُمِّي إِيمَانٌ لَا يَتَزَعْزَعُ بِيَهْوَهَ ٱللهِ.‏ وَمَعَ أَنَّهَا أُمِّيَّةٌ،‏ أَخْبَرَتِ ٱلْآخَرِينَ بِإِيمَانِهَا كُلَّمَا سَنَحَتْ لَهَا ٱلْفُرْصَةُ.‏ أَمَّا أَبِي فَرَكَّزَ لِلْأَسَفِ عَلَى ضَعَفَاتِ ٱلْأَشْخَاصِ وَلَمْ يَعُدْ يَحْضُرُ ٱلِٱجْتِمَاعَاتِ ٱلْمَسِيحِيَّةَ.‏

اِحْتَرَمْتُ أَنَا وَإِخْوَتِي ٱلْكِتَابَ ٱلْمُقَدَّسَ.‏ لٰكِنَّنَا ٱلْتَهَيْنَا بِأُمُورٍ أُخْرَى،‏ إِلَى أَنْ هَزَّتْنَا حَادِثَةٌ حَصَلَتْ فِي قَرْيَتِنَا سَنَةَ ١٩٣٩،‏ يَوْمَ كَانَتِ ٱلْقَارَّةُ ٱلْأُورُوبِّيَّةُ غَارِقَةً فِي ٱلْحَرْبِ ٱلْعَالَمِيَّةِ ٱلثَّانِيَةِ.‏ فَقَدِ ٱسْتُدْعِيَ ٱبْنُ عَمِّنَا نِيكُولَاس سَارَاس لِيَخْدُمَ فِي ٱلْجَيْشِ ٱلْيُونَانِيِّ.‏ وَكَانَ آنَذَاكَ شَاهِدًا مُعْتَمِدًا حَدِيثًا فِي ٱلْـ‍ ٢٠ مِنْ عُمْرِهِ.‏ فَقَالَ لِلسُّلُطَاتِ ٱلْعَسْكَرِيَّةِ بِكُلِّ جُرْأَةٍ:‏ «لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُقَاتِلَ لِأَنَّنِي جُنْدِيٌّ لِلْمَسِيحِ».‏ فَحَكَمَتْ عَلَيْهِ ٱلْمَحْكَمَةُ ٱلْعَسْكَرِيَّةُ بِٱلسَّجْنِ عَشْرَ سَنَوَاتٍ.‏ وَكَمْ صَعَقَنَا هٰذَا ٱلْخَبَرُ!‏

وَلٰكِنْ حِينَ دَخَلَ جَيْشُ ٱلْحُلَفَاءِ ٱلْيُونَانَ لِفَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ فِي بِدَايَةِ سَنَةِ ١٩٤١،‏ أُطْلِقَ سَرَاحُ نِيكُولَاس.‏ وَعِنْدَمَا عَادَ إِلَى كَارِيتْسَا،‏ رَاحَ أَخِي ٱلْأَكْبَرُ إِلِيَاس يَسْأَلُهُ عَنِ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ.‏ وَكُنْتُ أَنَا أُصْغِي بِٱنْتِبَاهٍ.‏ ثُمَّ ٱبْتَدَأْنَا،‏ أَنَا وَإِلِيَاس وَأُخْتُنَا ٱلصُّغْرَى إِفْمُورْفِيَا،‏ نَدْرُسُ ٱلْكِتَابَ ٱلْمُقَدَّسَ وَنَحْضُرُ بِٱنْتِظَامٍ ٱلِٱجْتِمَاعَاتِ.‏ وَفِي ٱلسَّنَةِ ٱلتَّالِيَةِ،‏ ٱنْتَذَرْنَا لِيَهْوَهَ وَٱعْتَمَدْنَا.‏ وَلَاحِقًا،‏ ٱنْضَمَّ إِلَيْنَا أَرْبَعَةٌ مِنْ إِخْوَتِنَا وَأَصْبَحُوا شُهُودًا أُمَنَاءَ.‏

سَنَةَ ١٩٤٢،‏ ضَمَّتْ جَمَاعَةُ كَارِيتْسَا تِسْعَةَ شُبَّانٍ وَشَابَّاتٍ  بَيْنَ ٱلْـ‍ ١٥ وَٱلْ‍ ٢٥ مِنْ عُمْرِهِمْ.‏ وَأَدْرَكْنَا جَمِيعًا أَنَّنَا سَنَتَعَرَّضُ لِٱمْتِحَانَاتٍ قَاسِيَةٍ.‏ وَلِنُجَهِّزَ أَنْفُسَنَا لِمُوَاجَهَتِهَا بِشَجَاعَةٍ،‏ كُنَّا نَجْتَمِعُ مَعًا كُلَّمَا سَنَحَتِ ٱلْفُرْصَةُ لِنَدْرُسَ وَنُرَنِّمَ وَنُصَلِّيَ.‏ وَهٰذَا مَا قَوَّى إِيمَانَنَا.‏

دِيمِتْرِيُوس وَأَصْدِقَاؤُهُ فِي كَارِيتْسَا

اَلْحَرْبُ ٱلْأَهْلِيَّةُ

فِيمَا شَارَفَتِ ٱلْحَرْبُ ٱلْعَالَمِيَّةُ ٱلثَّانِيَةُ عَلَى نِهَايَتِهَا،‏ ثَارَ ٱلشُّيُوعِيُّونَ عَلَى ٱلْحُكُومَةِ ٱلْيُونَانِيَّةِ.‏ وَهٰكَذَا ٱنْطَلَقَتْ شَرَارَةُ حَرْبٍ أَهْلِيَّةٍ قَاسِيَةٍ.‏ فَجَالَ ٱلْمُقَاتِلُونَ ٱلشُّيُوعِيُّونَ فِي ٱلْقُرَى وَأَجْبَرُوا أَهْلَهَا أَنْ يَنْضَمُّوا إِلَيْهِمْ.‏ وَعِنْدَمَا وَصَلُوا إِلَى قَرْيَتِنَا،‏ خَطَفُوا ثَلَاثَةَ شُهُودٍ هُمْ أَنْطُونِيُو سُوكَارِيس،‏ إِلِيَاس،‏ وَأَنَا.‏ وَمَعَ أَنَّنَا أَوْضَحْنَا لَهُمْ أَنَّنَا حِيَادِيُّونَ،‏ أَجْبَرُونَا عَلَى ٱلسَّيْرِ إِلَى جَبَلِ أُولِمْبُوسَ ٱلَّذِي يَبْعُدُ ١٢ سَاعَةً عَنْ قَرْيَتِنَا.‏

وَبَعْدَ ذٰلِكَ،‏ سُرْعَانَ مَا أَمَرَنَا أَحَدُ ٱلضُّبَّاطِ ٱلشُّيُوعِيِّينَ أَنْ نَنْضَمَّ إِلَى مَجْمُوعَةٍ مِنَ ٱلْمُقَاتِلِينَ.‏ وَعِنْدَمَا شَرَحْنَا لَهُ أَنَّ ٱلْمَسِيحِيِّينَ ٱلْحَقِيقِيِّينَ لَا يَرْفَعُونَ ٱلسِّلَاحَ عَلَى رَفِيقِهِمِ ٱلْإِنْسَانِ،‏ ٱغْتَاظَ وَأَجْبَرَنَا عَلَى ٱلْمُثُولِ أَمَامَ أَحَدِ ٱلْجِنِرَالَاتِ.‏ وَعِنْدَمَا كَرَّرْنَا قِصَّتَنَا عَلَى ٱلْجِنِرَالِ،‏ أَمَرَنَا:‏ «خُذُوا بَغْلًا وَٱنْقُلُوا ٱلْجَرْحَى إِلَى ٱلْمُسْتَشْفَى».‏

فَسَأَلْنَاهُ:‏ «وَلٰكِنْ إِذَا قَبَضَ عَلَيْنَا جُنُودُ ٱلْحُكُومَةِ،‏ أَفَلَنْ يَعْتَبِرُوا أَنَّنَا نُشَارِكُ فِي ٱلْقِتَالِ؟‏».‏ فَأَجَابَ:‏ «إِذًا ٱنْقُلُوا ٱلْخُبْزَ إِلَى ٱلْجَبَهَاتِ».‏ لٰكِنَّنَا ٱعْتَرَضْنَا قَائِلِينَ:‏ «وَمَا ٱلْعَمَلُ إِذَا رَآنَا أَحَدُ ٱلضُّبَّاطِ مَعَ ٱلْبَغْلِ وَأَمَرَنَا بِنَقْلِ ٱلْأَسْلِحَةِ إِلَى هُنَاكَ؟‏».‏ فَفَكَّرَ ٱلْجِنِرَالُ مُطَوَّلًا،‏ ثُمَّ قَالَ:‏ «بِٱلتَّأْكِيدِ أَنْتُمْ قَادِرُونَ أَنْ تَهْتَمُّوا بِٱلْخِرَافِ.‏ فَٱبْقَوْا عَلَى ٱلْجَبَلِ وَٱرْعَوُا ٱلْقُطْعَانَ».‏

وَهٰكَذَا،‏ فِيمَا ٱشْتَعَلَتِ ٱلْحَرْبُ ٱلْأَهْلِيَّةُ،‏ شَعَرْنَا نَحْنُ ٱلثَّلَاثَةَ بِرَاحَةِ ٱلضَّمِيرِ.‏ وَبَعْدَ سَنَةٍ،‏ سُمِحَ لِإِلِيَاسَ ٱلْبِكْرِ أَنْ يَعُودَ إِلَى ٱلْبَيْتِ لِيَهْتَمَّ بِأُمِّهِ ٱلْأَرْمَلَةِ.‏ كَمَا أُطْلِقَ سَرَاحُ أَنْطُونِيُو بِدَاعِي ٱلْمَرَضِ.‏ أَمَّا أَنَا فَبَقِيتُ أَسِيرًا.‏

فِي هٰذِهِ ٱلْأَثْنَاءِ،‏ كَانَ ٱلْجَيْشُ ٱلْيُونَانِيُّ يُحَاصِرُ ٱلشُّيُوعِيِّينَ.‏ فَهَرَبَتِ ٱلْفِرْقَةُ ٱلَّتِي ٱحْتَجَزَتْنِي عَبْرَ ٱلْجِبَالِ نَحْوَ أَلْبَانْيَا ٱلْمُجَاوِرَةِ.‏ وَعِنْدَمَا ٱقْتَرَبْنَا مِنَ ٱلْحُدُودِ،‏ أَحَاطَ بِنَا فَجْأَةً ٱلْجُنُودُ ٱلْيُونَانِيُّونَ.‏ فَهَرَبَ ٱلثُّوَّارُ مَذْعُورِينَ.‏ أَمَّا أَنَا فَٱخْتَبَأْتُ خَلْفَ شَجَرَةٍ مَقْطُوعَةٍ.‏ وَعِنْدَئِذٍ حَدَثَتِ ٱلْمُوَاجَهَةُ ٱلْمَذْكُورَةُ فِي أَوَّلِ ٱلْقِصَّةِ.‏

عِنْدَمَا أَخْبَرْتُ ٱلْجُنُودَ ٱلْيُونَانِيِّينَ بِأَنَّنِي كُنْتُ سَجِينًا لَدَى ٱلشُّيُوعِيِّينَ،‏ أَخَذُونِي لِيَدْرُسُوا وَضْعِي فِي مُعَسْكَرٍ قُرْبَ فِيرُويَا،‏ مَدِينَةِ بِيرِيَةَ ٱلْمَذْكُورَةِ فِي ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ.‏ وَهُنَاكَ أُمِرْتُ بِحَفْرِ خَنَادِقَ لِلْجُنُودِ.‏ وَعِنْدَمَا رَفَضْتُ،‏ نُفِيتُ إِلَى جَزِيرَةِ مَاكْرُونِيسُوسَ ٱلْمُخِيفَةِ.‏

جَزِيرَةُ ٱلرُّعْبِ

تَقَعُ مَاكْرُونِيسُوس مُقَابِلَ سَاحِلِ أَتِيكَا،‏ وَتَبْعُدُ ٥٠ كلم عَنْ أَثِينَا.‏ وَهٰذِهِ ٱلْجَزِيرَةُ ٱلْقَاحِلَةُ تَضْرِبُهَا ٱلشَّمْسُ كُلَّ ٱلنَّهَارِ وَلَا  يَتَجَاوَزُ طُولُهَا ٱلـ‍ ١٣ كلم وَلَا يَتَعَدَّى أَقْصَى عَرْضِهَا ٱلْـ‍ ٢٬٥ كلم.‏ وَلٰكِنْ رَغْمَ مِسَاحَتِهَا ٱلضَّيِّقَةِ،‏ سُجِنَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ١٠٠٬٠٠٠ شَخْصٍ بَيْنَ عَامَيْ ١٩٤٧ وَ ١٩٥٨.‏ وَكَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ شُيُوعِيُّونَ نَاشِطُونَ،‏ أَشْخَاصٌ ٱتُّهِمُوا بِأَنَّهُمْ شُيُوعِيُّونَ،‏ مُقَاتِلُونَ سَابِقُونَ مَعَ قُوَّاتِ ٱلْمُقَاوَمَةِ،‏ إِضَافَةً إِلَى عَشَرَاتِ ٱلشُّهُودِ ٱلْأُمَنَاءِ.‏

عِنْدَمَا وَصَلْتُ إِلَى ٱلْجَزِيرَةِ فِي بِدَايَةِ عَامِ ١٩٤٩،‏ كَانَ ٱلسُّجَنَاءُ مُوَزَّعِينَ عَلَى عِدَّةِ مُعَسْكَرَاتٍ.‏ فَوُضِعْتُ مَعَ مِئَاتِ ٱلْمَسَاجِينِ فِي مُعَسْكَرٍ ذِي حِرَاسَةٍ مُخَفَّفَةٍ.‏ وَكَانَ ٤٠ شَخْصًا مِنَّا يَنَامُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ فِي خَيْمَةٍ لَا تَتَّسِعُ إِلَّا لِـ‍ ١٠ أَشْخَاصٍ.‏ كَمَا شَرِبْنَا مِيَاهًا مُلَوَّثَةً وَأَكَلْنَا ٱلْعَدَسَ وَٱلْبَاذِنْجَانَ بِشَكْلٍ رَئِيسِيٍّ.‏ وَقَدْ جَعَلَتِ ٱلرِّياحُ وَٱلْغُبَارُ حَيَاتَنَا لَا تُطَاقُ عَلَى تِلْكَ ٱلْجَزِيرَةِ.‏ لٰكِنَّنَا عَلَى ٱلْأَقَلِّ لَمْ نَنْقُلِ ٱلصُّخُورَ بِٱسْتِمْرَارٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ.‏ فَكَثِيرُونَ مِنَ ٱلسُّجَنَاءِ ٱلْمَسَاكِينِ لَمْ تَتَحَمَّلْ أَجْسَادُهُمْ وَعُقُولُهُمْ هٰذَا ٱلتَّعْذِيبَ.‏

بِرِفْقَةِ إِخْوَةٍ مَنْفِيِّينَ عَلَى جَزِيرَةِ مَاكْرُونِيسُوس

وَذَاتَ يَوْمٍ،‏ فِيمَا كُنْتُ أَتَمَشَّى عَلَى ٱلشَّاطِئِ،‏ ٱلْتَقَيْتُ عِدَّةَ شُهُودٍ مِنْ مُعَسْكَرَاتٍ أُخْرَى.‏ وَكَمْ فَرِحْنَا بِأَنْ نَكُونَ مَعًا!‏ فَصِرْنَا نَلْتَقِي كُلَّمَا أَمْكَنَ وَنَحْرِصُ أَلَّا يُكْتَشَفَ أَمْرُنَا.‏ كَمَا أَنَّنَا بَشَّرْنَا بِحَذَرٍ بَقِيَّةَ ٱلسُّجَنَاءِ،‏ فَصَارَ بَعْضُهُمْ لَاحِقًا شُهُودًا لِيَهْوَهَ.‏ وَلَا شَكَّ أَنَّ ٱلِٱجْتِمَاعَ مَعًا وَٱلْبِشَارَةَ وَصَلَوَاتِنَا ٱلْقَلْبِيَّةَ سَاعَدَتْنَا أَنْ نَبْقَى أَقْوِيَاءَ رُوحِيًّا.‏

اِمْتِحَانٌ نَارِيٌّ

بَعْدَ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ عَلَى فَتْرَةِ «إِصْلَاحِي»،‏ طَلَبَتْ مِنِّي ٱلسُّلُطَاتُ أَنْ أَرْتَدِيَ ٱلْبَدْلَةَ ٱلْعَسْكَرِيَّةَ.‏ وَعِنْدَمَا رَفَضْتُ،‏ أَخَذُونِي إِلَى قَائِدِ ٱلْمُعَسْكَرِ.‏ فَسَلَّمْتُهُ وَرَقَةً كَتَبْتُ فِيهَا:‏ «أَنَا جُنْدِيٌّ لِلْمَسِيحِ».‏ فَهَدَّدَنِي ٱلْقَائِدُ ثُمَّ سَلَّمَنِي إِلَى نَائِبِهِ،‏ وَهُوَ رَئِيسُ أَسَاقِفَةٍ أُرْثُوذُكْسِيٌّ ٱسْتَقْبَلَنِي بِلِبَاسِهِ ٱلْكَهَنُوتِيِّ.‏ وَحِينَ أَجَبْتُ بِجُرْأَةٍ عَنْ أَسْئِلَتِهِ مِنَ ٱلْأَسْفَارِ ٱلْمُقَدَّسَةِ،‏ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ غَاضِبًا:‏ «خُذُوهُ.‏ إِنَّهُ شَخْصٌ مُتَعَصِّبٌ!‏».‏

وَفِي ٱلصَّبَاحِ ٱلتَّالِي،‏ أَمَرَنِي ٱلْجُنُودُ ثَانِيَةً أَنْ أَرْتَدِيَ ٱلْبَدْلَةَ ٱلْعَسْكَرِيَّةَ.‏ وَحِينَ رَفَضْتُ،‏ رَاحُوا يَضْرِبُونَنِي بِأَيْدِيهِمْ وَبِقَضِيبٍ خَشَبِيٍّ.‏ ثُمَّ أَخَذُونِي إِلَى مَشْفَى ٱلْمُعَسْكَرِ لِيَتَأَكَّدُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَكْسِرُوا عِظَامِي،‏ وَجَرُّونِي فِي طَرِيقِ ٱلْعَوْدَةِ إِلَى خَيْمَتِي.‏ وَٱسْتَمَرَّ هٰذَا ٱلتَّعْذِيبُ شَهْرَيْنِ تَقْرِيبًا.‏

خَابَ أَمَلُ ٱلْجُنُودِ لِأَنَّنِي لَمْ أُسَايِرْ عَلَى إِيمَانِي،‏ وَقَرَّرُوا أَنْ يُجَرِّبُوا أُسْلُوبًا جَدِيدًا.‏ فَرَبَطُوا يَدَيَّ خَلْفَ ظَهْرِي،‏ وَرَاحُوا يَضْرِبُونَنِي بِوَحْشِيَّةٍ بِٱلْحِبَالِ عَلَى بَاطِنِ قَدَمَيَّ.‏ وَرَغْمَ أَلَمِي ٱلشَّدِيدِ،‏ خَطَرَتْ بِبَالِي كَلِمَاتُ يَسُوعَ:‏ «سُعَدَاءُ أَنْتُمْ مَتَى عَيَّرُوكُمْ وَٱضْطَهَدُوكُمْ.‏ .‏ .‏ اِفْرَحُوا وَٱطْفِرُوا مِنَ ٱلْفَرَحِ،‏ لِأَنَّ مُكَافَأَتَكُمْ عَظِيمَةٌ فِي ٱلسَّمٰوَاتِ،‏ فَإِنَّهُمْ هٰكَذَا ٱضْطَهَدُوا ٱلْأَنْبِيَاءَ مِنْ قَبْلِكُمْ».‏ (‏مت ٥:‏١١،‏ ١٢‏)‏ وَبَعْدَ عَذَابٍ طَوِيلٍ،‏ فَقَدْتُ ٱلْوَعْيَ.‏

لَمَّا أَفَقْتُ مِنَ ٱلْغَيْبُوبَةِ،‏ كُنْتُ فِي زِنْزَانَةٍ بَارِدَةٍ دُونَ خُبْزٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ غِطَاءٍ.‏ مَعَ ذٰلِكَ،‏ شَعَرْتُ بِٱلْهُدُوءِ.‏ فَكَمَا يَعِدُ ٱلْكِتَابُ ٱلْمُقَدَّسُ،‏ ‹حَرَسَ سَلَامُ ٱللهِ قَلْبِي وَعَقْلِي›.‏ (‏في ٤:‏٧‏)‏ وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلتَّالِي،‏ أَعْطَانِي جُنْدِيٌّ لَطِيفٌ خُبْزًا وَمَاءً وَرِدَاءً.‏ وَأَعْطَانِي جُنْدِيٌّ آخَرُ حِصَّتَهُ مِنَ ٱلطَّعَامِ.‏ هٰذِهِ ٱلْأُمُورُ وَغَيْرُهَا جَعَلَتْنِي أَلْمُسُ عِنَايَةَ يَهْوَهَ ٱلرَّقِيقَةَ.‏

اِعْتَبَرَتْنِي ٱلسُّلُطَاتُ ثَائِرًا عَنِيدًا،‏ لِذَا أُرْسِلْتُ إِلَى أَثِينَا لِأَمْثُلَ أَمَامَ مَحْكَمَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ.‏ فَحَكَمَتْ عَلَيَّ بِٱلسَّجْنِ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ.‏ وَنَفَتْنِي إِلَى جَزِيرَةِ يَارُوسَ ٱلَّتِي تَبْعُدُ عَنْ مَاكْرُونِيسُوس نَحْوَ ٥٠ كلم شَرْقًا.‏

‏«نَثِقُ بِكُمْ»‏

كَانَ سِجْنُ يَارُوس قَلْعَةً ضَخْمَةً حِجَارَتُهَا حَمْرَاءُ.‏ وَٱعْتُقِلَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ ٥٬٠٠٠ سَجِينٍ سِيَاسِيٍّ،‏ بِٱلْإِضَافَةِ إِلَى سَبْعَةِ شُهُودٍ سُجِنُوا بِسَبَبِ حِيَادِهِمْ.‏ وَمَعَ أَنَّنَا مُنِعْنَا مِنَ ٱلِٱجْتِمَاعِ مَعًا،‏ كُنَّا نَحْنُ ٱلسَّبْعَةَ نَلْتَقِي سِرًّا لِدَرْسِ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُقَدَّسِ.‏ وَكَانَتْ تُهَرَّبُ إِلَيْنَا بِٱنْتِظَامٍ مَجَلَّةُ بُرْجِ ٱلْمُرَاقَبَةِ،‏ فَنَنْسَخُهَا يَدَوِيًّا وَنَسْتَخْدِمُهَا فِي دَرْسِنَا.‏

 وَذَاتَ يَوْمٍ فِيمَا نَحْنُ مُجْتَمِعُونَ،‏ ٱكْتَشَفَ حَارِسُ ٱلسِّجْنِ أَمْرَنَا صُدْفَةً وَصَادَرَ مَطْبُوعَاتِنَا.‏ فَٱسْتُدْعِينَا إِلَى مَكْتَبِ نَائِبِ آمِرِ ٱلسِّجْنِ،‏ مُتَوَقِّعِينَ أَنْ تُمَدَّدَ مُدَّةُ سَجْنِنَا.‏ لٰكِنَّهُ قَالَ لَنَا:‏ «نَحْنُ نَعْلَمُ مَنْ أَنْتُمْ،‏ نَحْتَرِمُ مَوْقِفَكُمْ،‏ وَنَثِقُ بِكُمْ.‏ عُودُوا إِلَى عَمَلِكُمْ».‏ كَمَا عَيَّنَ لِبَعْضِنَا مَهَمَّاتٍ أَسْهَلَ مِنْ قَبْلُ.‏ فَفَاضَتْ قُلُوبُنَا بِٱلشُّكْرِ لِيَهْوَهَ.‏ لَقَدْ جَلَبَتِ ٱسْتِقَامَتُنَا ٱلتَّسْبِيحَ لَهُ،‏ حَتَّى دَاخِلَ جُدْرَانِ ٱلسِّجْنِ.‏

كَمَا أَدَّى ثَبَاتُنَا إِلَى نَتَائِجَ جَيِّدَةٍ أُخْرَى.‏ فَبَعْدَمَا لَفَتَ سُلُوكُنَا ٱلْحَسَنُ أَحَدَ ٱلسُّجَنَاءِ،‏ وَهُوَ أُسْتَاذٌ فِي ٱلرِّيَاضِيَّاتِ،‏ ٱبْتَدَأَ يَطْرَحُ عَلَيْنَا ٱلْأَسْئِلَةَ.‏ وَعِنْدَمَا أُطْلِقَ سَرَاحُنَا نَحْنُ ٱلشُّهُودَ فِي بِدَايَةِ سَنَةِ ١٩٥١،‏ أُطْلِقَ سَرَاحُهُ هُوَ أَيْضًا.‏ وَلَاحِقًا،‏ ٱعْتَمَدَ وَأَصْبَحَ مُبَشِّرًا كَامِلَ ٱلْوَقْتِ.‏

جُنْدِيٌّ مَدَى ٱلْحَيَاةِ

مَعَ زَوْجَتِي جَانِيت

بَعْدَ إِخْلَاءِ سَبِيلِي،‏ عُدْتُ إِلَى عَائِلَتِي فِي كَارِيتْسَا.‏ وَفِي مَا بَعْدُ،‏ هَاجَرْتُ كَٱلْكَثِيرِينَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِي إِلَى مَلْبُورْن،‏ أُوسْتْرَالِيَا.‏ وَهُنَاكَ ٱلْتَقَيْتُ أُخْتًا رَائِعَةً تُدْعَى جَانِيت وَتَزَوَّجْتُهَا.‏ وَرُزِقْنَا بِٱبْنٍ وَثَلَاثِ بَنَاتٍ رَبَّيْنَاهُمْ تَرْبِيَةً مَسِيحِيَّةً.‏

وَٱلْيَوْمَ،‏ بَعْدَمَا تَجَاوَزْتُ ٱلـ‍ ٩٠ عَامًا،‏ مَا زِلْتُ شَيْخًا مَسِيحِيًّا نَشِيطًا.‏ وَلٰكِنْ بِسَبَبِ ٱلتَّعْذِيبِ ٱلَّذِي تَعَرَّضْتُ لَهُ،‏ يُؤْلِمُنِي أَحْيَانًا جِسْمِي وَقَدَمَايَ،‏ وَخُصُوصًا بَعْدَ ٱلِٱشْتِرَاكِ فِي عَمَلِ ٱلْكِرَازَةِ.‏ مَعَ ذٰلِكَ،‏ أَنَا مُصَمِّمٌ أَنْ أَبْقَى ‹جُنْدِيًّا لِلْمَسِيحِ› مَدَى ٱلْحَيَاةِ.‏ —‏ ٢ تي ٢:‏٣‏.‏